التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف: الواقع والآفاق
تقديــم:
يشرّف هذه المداخلة التي تحمل عنوان [التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف/ الواقع والآفاق]، أن تلبي نداء هذا الملتقى العلمي الكريم، الذي ينظّمه قسم اللغة العربية وآدابها بالمركز الجامعي بالطارف؛ خاصّة وهو يروم في محوره الرابع: دراسة واقع وآفاق الأدب الشعبي الجزائري عموما.
والحقيقة أنّ مرام ملتقاكم العلمي في محوره الرابع بشكل خاصّ، يصبّ في سياق جهود كثيفة مبذولة من قبل المشتغلين في حقل التراث الشعبي الجزائري، بهدف جمعه وحفظه ودراسته وتفعيله. كما يندرج أيضا ضمن نداءات مستمرّة صادرة عن منظمة (اليونسكو) بهدف تنمية الوعي بأهمية التراث الثقافي غير المادي من خلال التشجيع على بناء جسور التعاون بين المبدعين والمالكين والباحثين والجمعيات والوكالات المحليّة، بغية المحافظة عليه وتيسير التعريف به؛ ولما لا إدماجـه في عملية التنميّة كي تتحقّق له الفاعليـة والاندماج والعالمية أيضا.
وإذ تتّخذ مداخلتي من منطقة الطارف الجزائرية مجالا لها، ومن تراثها الشعبي غير المادي دون غيره موضوعا للدراسة فذلك تبرّره ثلاثة مبرّرات أساسية أوجزها فيما يلي:
أ- المتراكم الشعبي المحلّي: لقد أصبح القول ممكنا- بمناسبة تنظيم قسم اللغة العربية وآدابها بالمركز الجامعي بالطارف ملتقاه الوطني الأول حول الأدب الشعبي الجزائري - إنّ المتحقّق الخاصّ بجمع وتوثيق ودراسة تراث منطقة الطارف غير المادي على مستوى القسم ذاته، بات يشكّل متراكما محترما يمكن أن يرتكز عليه الباحثون في دراسة واقع وآفاق الأدب الشعبي المحلّي.
ب- دراسة الكلّ عبر الجزء: كما أتاح عدم تحرّج الباحثين والمشتغلين في حقل الأدب الشعبي الجزائري منذ فترة طويلة من دراسة الأدب ذاته منطقة منطقة، أن تتوجّه هذه المداخلة بدورها إلى دراسة التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف. مبرّرها في ذلك رؤيتها أنّ هذا التوجّه العلمي لا يتعارض - في نظرها- مع الهدف الأكبر المنشود من قبل الباحثين عموما؛ وهو دراسة الكلّ الثقافي الجزائري عبر دراسة الأجزاء المكوّنة له. وهو توجّه لا يدعو إلى التجزئة من أجل التجزئة بقدر ما يجتهد في جمع أجزاء الصورة حتى تبدو كاملة لا غير. وهي لن تبدو كذلك إلاّ عندما يتمّ التوصّل بعد عملية الجمع إلى إبراز مظاهر وأشكال التنوّع والثراء في تركيبتها ويتمّ الوقوف عند حدود ومدى تناغم أجزائها على مختلف الأصعدة والمستويات ([1]).
ج- شساعة الجزائر وثراء تراثها الثقافي غير المادي: يحقّ أن أقول أنّ الجزائر شاسعة وإنّ تراثها ثري إلى درجة يعجز على أيّ باحث أو مجموعة من الباحثين أن يجمعوه ويلمّوا به بمفردهم. ولتيسير سبل جمع ذلك التراث وتوثيقه خاصّة (بالنظر إلى العوامل التي تهدّده بالزوال والانقراض) أصبح لزاما على الباحثين عبر الوطن أن يسارع كلّ واحد منهم أو في خلايا بحث إلى العمل كلّ على مستوى منطقته؛ من باب [إنّ الحِمل الثقيل يخفّ عندما يحمله اثنان].
وسأعمل بعد التوضيح المنهجي السابق على رصد واقع التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف واستقراء آفاقه من خلال التطرّق إلى الجوانب البحثية التالية:
- أ- المتحقّق على مستوى جمع وتوثيق ودراسة تراث المنطقة غير المادي.
- ب- المتحقّق على مستوى توظيف ذلك التراث والاستثمار فيه ثقافيا سوسيواقتصاديا.
- ج- الآفاق المستقبلية لتراث المنطقة غير المادي والخطط القمينة بحمايته وضمان استمراريته.
وللإحاطة بتلك الجوانب ستقوم الدراسة في شقّها الأوّل بالتعريف بالمنطقة مناط الدرس بإيجاز ثمّ تتوجّه لرصـد واقع جمع وحفظ وتوثيق تراث المنطقة غير المادي وما اعتور تلك العمليات من صعوبات وذلك بالتعرّض إلى ما تمّ بذله من جهود من قبل العاملين الأساسيين في الحقل الثقافي في المنطقة. وستتعرّض بعد ذلك إلى إبراز أهمّ أشكال التعبير الشعبي غير المادي في المنطقة مع التمثيل لها بمواد حيّة جارية الاستعمال وتحليلها بغية التوصّل إلى الدور الذي تلعبه على الصعيدين النفسي والسوسيولوجي لدى الأهالي. أما الشقّ الثاني من الدراسة فسينحصر في استعراض آفاق هذا المكوّن الثقافي واقتراح أنجع السبل للمحافظة عليه وضمان استمراريته وتفعيله أيضا.
أوّلا: منطقة الطارف/ المكان والإنســان:
1- المكـــــان: الطارف منطقة حدودية يغلب عليها الطابع الجبلي، ويعتمد اقتصادها على الفلاحـة والسياحة. تقع في الشمال الشرقي للجزائر، يحدّها من الشمال البحر الأبيض المتوسّط ومن الجنوب منطقتــا سوق أهراس وقالمة ومن الشرق القطـر التونسي ومن الغـرب منطقة عنابـة. وتنال منطقة الطارف نسبة لا بأس بها من الرطوبة، كما تنزل بها الثلوج ويكسوها غطاء غابوي مخضرّ طوال العام. ومن أشهر أشجارها:"الصنوبر، البلوط، السنديان، بوحداد، الزان، الصفصاف، الكاليتوس، الزيتون، الضرو والخروب والدردار وغيرها"([2]). وتزدهر فيها كذلك النباتات الرعوية في مناطق سفوح الجبال وبجوار الأودية وفي السهول كنبتة "الطرفاية"التي تستلذّها الماشية وترعاها.
ولم يعرف أهالي منطقة الطارف الحاليين لمنطقتهم اسما غير الذي هي عليه الآن وليس لديهم - فيما أعلم- ما يشفي غليل الباحث فيما يتّصل بسبب التسمية؛ فـ(هنا) الكلّ يجمع على فرضية تطرّفها عن باقي المناطق عبر الوطن ووقوعها في أقصى أطرافه الشرقية؛ فهي لذلك حملت هذا التسمية. إلاّ أنّ هذه الفرضية سرعان ما تضعف، لأنّ المستقرئ للموقع الجغرافي في الوطن كلّه، يرى أن "الطارف" ليست الوحيدة فيه التي تقع متطرّفة. ولكن لماذا حملت هذا الاسم؟
لم تتصدّ المراجع التي بحوزتي أثناء تعرّضها لتاريخ المنطقة الشرقية للإجابة عن هذا السؤال؛ لذلك رجعتُ إلى المعاجم العربية باحثا عن دلالة لفظ "الطارف" فوجدتُ أن من معاني مادّة [ط- ر- ف] في لسان العرب:"الطريفة ضربٌ من الكلأ وهي شجر ليس له خشب، وإنّما يخرج عصيّا سمحة في السماء ... تستلذّه الماشية فترعاه ... وواحدتها طرفاءة ([3]) أو"طرفاية" على لهجة أهالي المنطقة، الذين يقلبون الهمزة في آخر الكلمة ياءً.
وشجرة "الطرفاية" تتواجد بشكل لافت للنظر في منطقة الطارف؛ الكبير والصغير من أهاليها يعرفها، لذا اعتقد أن أصل التسمية يعود إليها؛ خاصّة إذا عرفنا أن ظاهرة تسمية الأماكن ومنها المدن بأسماء النباتات والأشجار المتواجدة بها أو التي كانت متواجدة بها، ليست بالغريبة في الموروث الثقافي العربي بشكل عام وعن المجتمع الجزائري بشكل خاصّ، إذ تحضر في أكثر من مكان؛ فمدينة عنابة مثلا اسمها مشتقّ من شجر "العنّاب" وفي منطقة الطارف نفسها توجد مدن كثيرة موسومة بأسماء النباتات والأشجار، كعين الكرمة والزيتونة وعين خيار...
وفيما يخصّ رصيد المنطقة التاريخي، فإن الشواهد التاريخية المادية المنتشرة في ربوعها، تُشير إلى ثرائه وتنوّعه وقدمه؛ فقد جاء في الوثيقة التي قدّمتها مديرية الثقافة بولاية الطارف للمشاركين في الملتقى الوطني للأسلاك الشائكة سنة 1998 "إنّ علماء الحفريات يُرجعون تعمير المنطقة إلى العصر الحجري القديم "إذ اكتُشف في مناطق مختلفة منها أدوات تؤكّد وجود الإنسان بها في هذه الفترة. كما تمّ العثور على آثار إنسان العصر الحجري القديم الأوسط بمنطقة خليج المقصبة الكبرى ومشتة الكليبـة وفجّ العلايق ... والمقام لا يسمح بتتبّع تاريخ المنطقة خلال العصور الأخرى المتعاقبة؛ إلاّ أنّ ما يجب الإشارة إليه: أن المنطقة - من خلال الشواهد المادية المتبقّية- لها تاريخ ضارب بجذوره إلى عصور ما قبل التاريخ، إلاّ أن ندرة الوثائق وقلّة الدراسات التي من شأنها أن تقرأ تلك المعالم أمرٌ جعل الحديث عن تاريخها ضربٌ من ضروب المجازفة. أمّا الدراسات التي راجعتها فقد وجدتُ أنّها تتناول المنطقة كجزء ليس له خصوصياته التي يتفرّد بها عن منطقة عنابة أو "بايليك" قسنطينة قديما.
2- الإنســــان:
يتألّف المجتمع في منطقة الطارف من عناصر عديدة، تلاحمت وتفاعلت واندمجت فيما بينها بفضل وحدة العقيدة واللّغة اللّتين جاء بهما الدين الإسلامي الحنيف إلى هذه البلاد في مطلـع القرن السابع الميلادي وما ترتّب عنهما من مظاهر حضارية مختلفـــة نمت وترعرعت خلال خمسة عشر قرنًا من الزمن.
وتتكوّن التركيبة البشرية للمجتمع التقليدي في منطقة الطارف من العائلة ثمّ القبيلة فالعشيرة فالعرش. ويتألّف هذا الأخير من عدّة قبائل وعشائر مختلفة الأصل والمكانــة والأعراف والتقاليد الاجتماعية والاقتصادية ولكلّ منها زعيمها وكبيرها الذي يمثّلها في مجلس العرش ويدافع عن مصالحها. ويسمّى في المنطقة "الشاوش" أو"الكبيــر" ويحدث أن يتألف العرش من قبائل ذات أصل واحد، يتزعّمه شخص أو مجموعة أشخاص يُختارون على أساس كبر السّن والتجربة والثقافة والوعي والشرف والشجاعة والغنى أو بعضها. ويمثّل الشريط الحدودي الرقعة الجغرافية التي تتمركز فيها مختلف الأعراش الممثلة للتركيبة البشرية في المنطقة.([4])
والأمر الذي يستحقّ الذكر، هو أن المحافظة على الانتساب إلى العرش تنتقل من جيل إلى جيل ويتمّ تكريسها بصور وسلوكات مختلفة من بينها احترام تراث الأسلاف المادي وغير المادي؛ سواء في المناسبات الاجتماعية كالأفراح والأتراح أو في المناسبات الدينية كالأعياد الإسلاميـة أو ما تعلّق بأعياد الأعراش؛ كالزردة والوزيعــة والورية.([5]) أو المناسبات السياسية كالانتخابات المحلية والولائية خاصّة؛ والغرض من المحافظة على ظاهرة الانتساب هذه، هو تقوية التماسك الاجتماعي وتعزيزه ويبدو ذلك من خلال عبارات (البركة، الأصل، التاريخ الجدود، الشرف...) وكلّها تعبّر عن الموقع الروحي والاقتصادي والسياسي للعرش.
وينتظم المجتمع التقليدي في المنطقة مناط الدرس، انتظامًا واضح المعالم يهدف في مجمله إلى تكريس الولاء لإرث الأسلاف وضمان استمراريته، اعتقادًا منه أن الولاء لإرث الأسلاف يضمن بقاء الفرد والجماعة كليهما؛ فهو بذلك من أقدس المقدّسات نظرا لارتباطه بعنصري الانتماء وضمان البقاء.
ويعدّ التنظيم العائلي من أبرز مظاهر التنظيم الاجتماعي في المجتمع التقليدي بمنطقة الطارف؛ فالعائلة التقليدية موسعة تعيش في أحضانها عدّة عائلات تحت سقف واحد، تسمى "الدار الكبيرة" ويمثّل الأبّ والجدّ القائد الروحي للعائلة والمسيّر والمخطط والمموّن لها. والنسب في العائلة ذكوري والانتماء أبويّ ويبقى انتماء الأمّ لأبيها. أما الميراث فينتقل من الأب إلى الابن الأكبر بداعي المحافظة على الإرث العائلي بمختلف أشكاله وصيانته وحمايته من المخاطر المختلفة.
ومن المظاهر الاجتماعية أيضا، تزويج البنت في سنّ مبكّرة وعدم إشراكها في الإرث إذا ما تزوّجت إلاّ في ظروف خاصّة. و"الحشمة" من ذكر اسم الزوجة فتنادى بعبارات مثل (الدار، العيلة، أم لولاد، الفاميلة، المخلوقة ...)، متبوعة بعبارة (حاشاك). وقد تدلّ الحشمة من ذكر اسم المرأة عموما والزوجة بشكل خاصّ على اعتقاد شعبي ينظر إلى جنس الأنثى نظرة دونية؛ فكلمة (حاشاك) تُقال لتستثني الرجل أن يكون من جنس المرأة من جهة ومن جهة أخرى لأنها (المرأة) في عرف العامّة نجاسة، ليصبح المقصود بالتالي: "حاشاك أن يمسّك النجس". ومن العبارات الداعمة لهذا الاعتقاد الشعبي في أقوال العامّة: "معرفتك في النساء نجاسة ومعرفتك في الرجال كنوز".
ويحوز ممثل الدين (الإمام، المفتي، الطالب، مؤدب الأطفال) مكانة خاصّة لدى الأهالي؛ فبالإضافة إلى حضوره الأكيد في مختلف العبادات، فهو يحضر كذلك في ميادين المعاملات؛ كالإرث والزواج والطلاق والشفعة والرهن ومختلف المصالحـات. ويصل الأمر لدى المجتمع الشعبي الطارفي إلى حدّ أنّ اسم المولود الجديد يتمّ اختياره من قبل "الطالب"وذلك حتى تكون له علاقة بالكواكب والنجوم ويحفظه الله من المصائب.
ولم يمنع التمسّك بالدين الإسلامي الحنيف من ظهور عدّة سلوكات اعتقد أنّها رواسب لبعض الممارسات الخرافية الأسطورية التي علقت في اللاشعور الجمعي للأهالي؛ كالإيمان بقدرة الموتى على مساعدة الأحياء على إنجاب الأطفال والتصدّي لمختلف المخاطر المُحدقة بهم وحماية أموالهم وأملاكهم ومنع المصـائب عنهم ومدّهم بالشفاء من مختلف الأمراض والأسقام. لذلك تجد الأهالي يقيمون (الزردات) على قبور هؤلاء الموتى وأضرحتهم ويؤمنون بجدوى التمائم والتعاويذ و(الحــروز) في معالجة الأمراض ويلجئون إلى الزهد والتقشف في الحياة إلى حدّ التواكل أحيانًا.
ثانيا: التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف:
يُعدّ تعريف "ادوار تايلور" للثقافة من أشمل التعريفات وأكثرها شيوعا حتـى الآن. وقد ذهب فيه إلى أنّها "كل مركّب يشتمل على المعرفة والمعتقدات والفنون والأخـلاق والقانون والعرف وغير ذلك من الإمكانيات والعادات التي يكتسبها الإنسان باعتباره عضوا في المجتمع".([6]) ويكتسي هذا التعريف قيمته من خلال إبرازه العناصر اللّامادية لحياة الناس في جماعة ،كالمعارف والمعتقدات والفنون والأخلاق والقانون والأعراف والعادات؛ وكلّها تنشأ نتيجة للتفاعل الاجتماعي. ويتقاطع هذا التعريف مع ما حدّدته منظمة اليونسكو في (اتفاقية 2003) والمتعلقة بالمحافظة على التراث الثقافي غير المادي (مادة 1-2) حيث تعرّف التراث الثقافي غير المادي بكونه "الأعمال، التمثّلات، التعابير والمعارف، بالإضافة إلى الأدوات والأشيــاء والمجالات الثقافيــة المرتبطة بها التي تعتبرها المجتمعـات والجماعات بل والأفراد جزءا من تراثها الثقافي".([7])
وتتوفّر منطقة الطارف كباقي مناطق الوطن على تراث ثقافي غير مادي غني ومتنوع ولا يزال حيّا، لكنّه بدأ يفقد شيئا فشيئا من تلك الحيويـة بفعل ما طرأ على المجتمعات الحديثة من عصرنــة وهجرة وتعمير، التي تعمل جميعها بلا رحمة من أجل سحب قيم الأصالة والعراقة عن مجتمعاتنا اليوم وتبديلها بقيم أخرى.
ويتكوّن تراث المنطقة من كل أشكال التعبير التقليدي الذي نجده في جلّ المجتمعات التي تعمل جاهدة على المحافظة علي قيمها الأصيلة المكوّنة لهويتها. ونجد ضمن هذا النوع من التراث خمسة فروع أساسية وهي: المعتقـدات والمعارف الشعبية العادات والتقاليد الشعبية الأدب الشعبي، الأمثال الشعبية والأفراح الشعبية. وسأعمل في هذا الجانب من الدراسة على رصد بعض هذه الفروع والتمثيل لها بنماذج حيّة جارية الاستعمال عند الأهالي مع إعمال الذهن فيها ومقاربتها بهدف التعرّف على حالة مجتمعها النفسية ومرتكزاته الذهنية والفكرية والوقوف على مدى حيويته من خلال القبض على أبرز التحوّلات التي مرّ بها عبر العصور التاريخية.
1- المعتقدات والمعارف الشعبية:
تعتبر المعتقدات والمعارف الشعبية عنصرا هامّا من عناصر التراث الشعبي. ويقصد بها "تلك الأفكار التي يؤمن بها الشعب فيما يتعلّق بالعالم الخارجي وما وراء الطبيعة"([8]). وهي لدى المجتمع الشعبي - قيد البحث- إمّا نابعة من نفسيات أبنائه بدافع حبّ المعرفة والاستطلاع الذي جُبل عليه الإنسان عموما أو كانت معتقدات مذهبية بائدة كالأرواحية([9])(animisme) الفيتيشية ([10])(fétichisme) والطوطمية ([11]) (totémisme) أو معتقدات لها علاقة بالأديان السماوية كالمسيحية أو الإسلام أو غيرهما من الأديان التي عرفتها المنطقة.
ومن المعتقدات النابعة من نفسيات أبناء المجتمع الشعبي الطارفي: التنجيم، قراءة الكفّ، قراءة الفنجان وقراءة خطّ الرمل؛ وهي كلّها ممارسات نابعة من خوف الإنسان من المستقبل وممّا تخفيه عنه الأقدار أو نابعة من حبّ المعرفة والاستطلاع عموما أو رغبة منه في السيطرة على ما يُحيط به أو بدافع حاجته إلى إنكار ما يحسّ به من عجز إزاء ما يعترضه من ظواهر عصيّة على الفهم. وفيما يخصّ الاعتقاد في المذاهب البائدة، نجد رواسب ذلك في سلوكات مجتمع المنطقة وتراثه الشعبي، إذ مازالوا يستحضرون الأرواح (المذهب الروحي) ويعتقدون في قوة وفاعلية أشياء السلف (المذهب الفيتيشي) ويسمون الأماكن تسميات لها علاقة بالنبات أو الحيوان من مثل "عين خيار، الزيتونة، عين الكرمة عين العسل... وكذلك تسمية الأشخاص بتسميات مثل غزال، الوحشي، العجمي، بومعزة، خروفة، بونعجة، فلّوسة...
وفيما يخصّ المعتقدات الدينية، فإنّ مجتمع المنطقة بمقوماته الثقافية والحضارية والتاريخية، جزء لا يتجزّأ عن المجتمع الجزائري المسلم. ومن الشواهد الدالّة على تمسّكه بالإسلام: التفاني في بناء المساجد، توقير المفتي والطالب والإمام ومشايخ الزوايا التي كانت قائمة بالمنطقـة[12]))والإيمان بوحدانية الله، والتسليم له بالربوبية. كما يؤمنون بالقضـــاء والقدر والرسل والكتب ويقيمـون أركان الإسلام ويحرصون على تعلّم العربيــة وحفظ القرآن والتفقّه في الدين.
وبالإضافة إلى المعتقدات السابقة هناك أفكار ومعـارف وأحاسيـــس كَوَّنَها المجتمع الطارفي حول مختلف الظواهر الطبيعية المحيطة به منها ما يتصل بالمنـاخ وتغيّراته، أو بالبيئة وعلاقاتها ومنها ما يتّصل بخصائص الأيام والشهور والفصول. ومن الشواهد التراثية الدالّة على ذلك: - ما يِحْسِبْ جِدْيانَهْ وخِرْفَانُهْ حتّى تْفُوتْ ﭭِرَّةْ حَيَّانَهْ ([13])
- مارس إبيضْ فيه لحْجِلْ والجْرَارِسْ
- في إبرير تطْلَعْ السْبولة من ﭭَاع البير([15])
ضفْ إلى ذلك فكرة المجتمع التقليدي عن الكون بدءا بالأرض؛ إذ أنها - في اعتقاده- موضوعة على قرن ثور. والقمر يضمّ صورة امرأة مشنوقة عقابا لها؛ لأنها مسحت فضلات ابنها برغيف خبز. وظهور قوس قزح يعني أن الذئب أقام عرسا احتفالا بتمكّنه من التهام عنصر من القطيع... وغير ذلك من التصوّرات التي تعدّ إجابات ساذجة عن ظواهر طبيعية معقّدة، يعجز العقل الشعبي عن تفسيرها تفسيرا معقولا إلاّ إنّه يأبى أن يقف عندها حائرا دون أن يجد لها أيّ تفسير كان يُطمئن النفس.
أمّا فيما يخصّ الظواهر النفسية، فقد قدّموا لها العديد من التفسيرات: فالعين عندما ترفّ فإنّ الأذى سيلحق بصاحبها وفي هذه الحالة فإنّ ترديد عبارة (كانِكْ عالخِيرْ رِفّي وكانِكْ عالشَّرْ كِفّي)، حاضر لدى إنسان المنطقة والمقام يضيق لسرد مختلف التصوّرات والأفكار المتعلّقة بالمياه والنباتات والحيوانات واللحوم والكلمات والأعداد وغيرها.
2- العادات والتقاليـد الشعبيــة:
لا تقلّ العادات والتقاليد أهميّة عن المعتقدات والمعارف الشعبية، نظرا لسعة انتشارهـا وتفاعل عناصر المجتمع معها واستنادها على موروث مترسّب يدعمها ونظرا أيضا لسلطتها القويّة على الناس وارتباطها بالمكان الذي يعيشون في كنفه ارتباطا وثيقا. ومن العادات والتقاليد التي يحرص المجتمع الشعبي – قيد الدراسة- على تكريسها إلى يومنا هذا، ما اتّصل بالأعراس (العرضة، الحنّة، الدخلة) و طقوس النفاس (وضع الموس تحت وسادة المرأة النافس، وتدوير كعبة رجلها اليمنى بقطعة قماش حمراء تحتوي على السينوج والملح والقمح...) والاحتفال بقدوم الربيع وجزّ الصوف وجني المحاصيــل الزراعية وما يرافقهـا من أهازيج شعبيّة وعادات النــوم والجلوس والكلام والسماع ...
وأسجّل في هذا المقام انتشار تقليد "الزردة" وممارسة المجتمع الشعبي له إلى غاية كتابـة هذه الأسطر، وما يصاحبـه من إقامة الحفلات على قبور وأضرحة الأوليـاء وطلب العون منهم. والوليّ في المنطقة رجل كان يقوم بمهمّة التعليم والتوجيه إلى جانب وظيفته الحربيّة، فأُطلق عليه اسم (المرابط) لأنّه كان يُرابط على الثغور لحماية أهله ومجتمعه ودينه من هجمات الأعداء. ومع مرور الزمن تغيّر مفهومه وأصبح يُطلق على كل زاهد في الدنيا. وعندما يموت يُبنى على قبره بيتا بقبّة يُطلق عليه لفظ (الجامـع) أو (المـزارة) أو (القبّـة)، مثل: (قبّة علي بلعجمي) بمنطقة وادي الحـوت و(جامع سيدي خالد) و(زاوية جدّي امْحمّد) بمنطقة العيون و(جامع جدّي طراد) بمنطقة الزيتونة و(جامع جدّي بوضبيبة) بمنطقة عين الكرمة. والسكان يزورون هذه الأماكن باستمـرار ويأخذون معهم بعض المأكولات مثل الطمينـة([16])والعصيـدة ([17]) والغرايف([18])ويقومون بإشعال الشموع وحرق البخور عندها وغير ذلك.
وممّا كانوا يرددونه أثناء زيارتهم لهؤلاء الأولياء الصالحين قولهم: "أمر الله وأمر الصالحين نهار لربعا رُسْمانْها ونهار لخميسْ فرﭭانها". وكذلك قولهم: "براكْتِكْ أجدّي فلانْ هذي ليـكْ ولُمّاليكْ[19])) ونِحْنَا نستنّوا وقْتاه إنجو ليكْ هذي لَعصيدة على راسكْ". وأيضا قولهم: "يعطينا بَرَاكْتَكْ أجدّي فلان، لفظة ليك ولفظة لِيَّا، ليكْ لفظيّة آجدّي فلان على أكتاف أولَيْلاه (أولياء الله) الصالحين، ليكْ عصيدة والجاوي والشمع، نوكِّلْ ربي وجدودي الغاليين".
3- الأدب الشعبـــــي:
مَثَلُ الأدب الشعبي بالنسبة للتراث الثقافي غير المادي بشكل عامّ كمثل القلب في جسم الإنسان من حيث الأهمّية؛ فهو بالإضافة إلى إنّه "إبداع عفوي أصيل يحمل ملامح الشعب ويحفظ سماته ويؤكد عراقتـه ويعبّر بصدق عن همومه اليومية ومعاناة أفراده على مختلف مستوياتهم وهو صورة لروحهم العامة وشعورهم المشترك" ([20])؛ فإنّ له أهمية قصوى في التراث الثقافي لأيّة أمّة من الأمم؛ باعتباره أدب عاميتها التقليدي الشفاهي المتوارث جيلا عن جيل والمعبّر عن ذاتيتها والمستهدف تقدّمها الحضاري والراسم لمصالحها. فهو بذلك نتاج اجتماعي وتاريخي هام تعبّر من خلاله الجماعة الشعبية عن توجّهات وآراء اجتماعية ونفسيّة لها ما يبرّرها في الواقع.
وأمّا أنواع الأدب الشعبي فهي "الأسطورة والخرافة والشعر والأقوال السائرة والأمثـال والألغاز والأقوال السحريـة والموسيقى والرقص والعــادات والممارسات والمعتقدات والمهارات الفنيـة". وسأقْصر الحديث في هذا العنصر من عناصر المداخلة على أشكال تعبيرية بعينها نالت حظّها من عمليات الجمع والتوثيق والدراسة سواء من قبل خليّة البحث بقسم اللغة العربية وآدابها/ تخصّص أدب شعبي بالمركز الجامعي بالطارف([21]) أو من قبل الباحثين في الدراسات العليا (ماجستير)([22]) و(ماستر) أو من قبل طلبة الليسانس([23])؛ حيث يسجّل القسم سالف الذكر إقبالا ملحوظا من قبل طلبته على جمع مختلف أشكال الأدب الشعبي في منطقة الطارف وتوثيقه ودراسته أيضا. ولأنّ المقام لا يتّسع لتناول كل تلك الأنواع، فإنّ هذه المداخلة ستقتصر على تناول أنواع بعينها هي: أدب الحكاية الشعبيــة، الأمثال والأفراح الشعبية؛ محاولا استقراء طرائق تفكير إنسان المنطقة من خلالها ومدى تعبيرها ذاتها عن نفسيته.
أ- الحكاية الشعبية في منطقة الطارف:
تحمل الحكاية الشعبيـة عموما تفاصيل وجزئيات عن المجتمع الذي نشأت فيه. وتُعبّر تلك الجزئيات والتفاصيل عن ثقافة ذلك المجتمع "فالحكايـة تحفظ في جوهرها بقايــا وثنيات جدّ قديمة وعـادات وطقوس قديمة أيضا ([24]). وإذا جئنا إلى الحكايات الشعبية المجموعة من منطقة الطارف ([25])، نجدها تعكس النظام السائد في مجتمعها التقليدي بدرجاته وطبقاته وتكشف بوضوح عن تصرّفات أفراد المجتمع اتجاه بعضهم البعض؛ فسلطة الأب حاضرة بقوّة، دون إغفال للاحترام الذي يجب أن تحظى به الأمّ. والزوج هو المسؤول الذي يقود الأسرة والزوجة تتبع زوجها في كلّ الأمور والأخ الأصغر يجب أن يبدي احترامه لأخيه الأكبر حتى ولو كان سيء الطباع... وإن حدث بينهما شقاق فإنّ الأصغر سنّا هو الذي يترك المكان ويرحل ضامرا الودّ لأخيه الأكبر.
وتتحدّث حكايات المنطقة عن الطموح وتنبذ الخنوع والخضوع والاستكانــة وترفض الاتّكال وتحثّ على إثبات الذات بالعمل الشخصي. كما تحرص على تقديم تقاليد قديمة حفظها الشعب تعبيرا منه على مدى قوّة العلاقة بين الأجيال من جهة وعلى ظروف واقعها الاجتماعي من جهة أخرى... ومن بين تلك العادات والتقاليد: إكرام الضيف وتقديس الأعمال اليومية والحرص على إفشاء التحيّـة والحذر من المـرأة والعمل على إخضاعها والانتصار للضعيف واحتقار الخائـن والمنافق والمخـادع والحسود والإشادة بالأخوّة وردّ الجميل والبرّ بالوالدين.
والجدير بالذكر أن مجتمع الحكاية - عموما- يتخلّق بخلق الدين الإسلامي. وهي سمة لها ما يبرّرها في شخصية إنسان المنطقة وتدّل عليها العديد من الشواهد الثقافية؛ فقد أعطى لثقافته الشعبيّة الأصيلة وثقافتـه المكتسبة طابعا واحدا وأخضع كلّ أشكال الثقافة إلى ما يتّفق ومعتقده الإسلامي؛ وحتى تلك التي ترجع إلى أصول وثنية أو غير إسلامية، رأيتها تبدو في صورة لا تتنافى والمعتقد الإسلامي "فالديانات الحاضرة قادرة على طمس الأشكال القديمة وإحلالها بأخرى جديدة" ([26]).
وبالإضافة إلى الموضوعات الاجتماعية والأخلاقية التي تحفل بها الحكاية الشعبية المجموعة من منطقة الطارف، نعثر فيها كذلك على موضوعات تعبّر عن موقف إنسان المنطقة من العالم الغيبي؛ فالحكايات لم تتوقّف عند حدود التعبير عن واقع الإنسان الشعبي في عالمه المعلـوم بل تجاوزته للتعبير عن موقفه إزاء العالم الغيبي المجهـول؛ وقد تراوح هذا الموقــف بين الإيمان والخوف: الإيمان بغيبيات ذلك العالم من جهة والخوف والخشية منها من جهة أخرى. ومن التيمات الحاضرة في هذا المجال: الإيمان بالله والتسليم بالقضاء والقدر وإسناد الرزق إلى الله.
غير أنّ اعتناق المجتمع الشعبي في المنطقة للدين الإسلامي وتسليمه بكل أركانه بما في ذلك الإيمان بالقضاء والقدر، لم يمنع من ظهور العديد من المعتقدات التي ألِف ممارستها على الرغم من تعارضها مع مبادئ الدين؛ فقد شكّل الخوف وحبّ الاستطلاع والاستحياء من إظهار العجز أما م وضعيات وظواهر مختلفة، دوافع قويّة لدى بعض الشعبيين للبحث عن مزيد من المعرفة الموصلة إلى الطمأنينة والاستقرار النفسي، فالتمسوا لبلوغ ذلك كلّ السبل لاهثين "وراء المجهـــول في كلّ ما يرضيهم أو يطمئنهم عن المستقبل أو ينذرهم عن المستقبل أو ينذرهم من ويلاتـــه، أو يحضّهم على إتيان فعل علاجي أو وقائي" ([27]). وهي معتقدات بارزة على سطح الحكايات الشعبيّة المجموعة من المنطقة منها: التنجيــم (occultisme) وتحضيـر الأرواح والاعتقاد في الحلم والاعتقاد في الأولياء...
وللتقليل من ضغط الحياة وسطوتها على نفسيته، لجأ الإنسان الشعبي الطارفي إلى الاحتفاء بشكل حكائي خاصّ بهذا الغرض، هادفا من وراءه بثّ الضحك في النفوس المنهكة والسخرية من المشاكل والعراقيل التي تعترض حياته بهدف التقليل من سطوتها وجبروتها عليه. ويأخذ هذا اللون التعبيري موضوعاته من الحياة اليومية بشكل عام ممّا يقلّل- بدرجة كبيرة- من ظهور الخوارق فيها. وهي حتى وإن ظهرت فذلك من أجل خدمة الموقف المرح نفسه. والمتمعّن في هذه الموضوعات الهزلية يرى أن وظيفتها لا تقتصر على التخفيف من سطوة الحياة ومشاقها فحسب، بل تتعدّى ذلك إلى آداء وظائف تربوية تهدف إلى حفظ الآداب والنظام العامّين و"التقويم الاجتماعي، حين يصبح الضحك السيف المصْلَط على رقاب الخارجين على القيم والآداب العامّة وكلّ من تحدّثه نفسه بالخروج عن قوانين المجتمع وأساليب سلوكه، فإنّه لا بدّ من أن يُسْتَهْدَفَ لسخريتها اللاّذعة" ([28]).
ب- الأمثـال الشعبيــة:
المثل قول مأثور موجز العبارة يتضمّن فكرة صائبة أو قاعدة من قواعد السلوك الإنساني، أطلقه شخص من عامّة الناس في ظرف من الظروف ثم شاع على الألسن وأخذ الناس يتداولونه في مختلف المناسبات التي تشبه الظرف الذي قيل فيه لأول مرة. وذلك لولع العامّة بمثل هذه العبارات القصيرة التي تعبّر عمّا يجيش في صدورها ممّا لا يتيسّر لها في كثير من الأحيان أن تحسن التعبير عنه بغيره. وهو في الغالب نتيجة قصّة أو حادثة معينة قيل فيها لها اتصال وثيق ببيئتهم الاجتماعية والطبيعية وبحوادثهم الفردية. وهو يُبرز قدرتهم الفائقة على تركيز الفكرة وإيرادها بأوجز لفظ ممكن.
وللأمثال قوّة وسلطة على أفراد المجتمع الذي تنتشر فيه؛ سواء أكانت مقنعة أو عكس ذلك؛ فهي لا تُرَدّ. لذلك يحرص الجميع على الاعتماد عليها في كلامهم، لتشمل بذلك جميع جوانب الحياة من زراعة وصناعة وتربية وتعليم... والمتمعّن في الأمثال المنتشرة في منطقة الطارف يدرك الجوّ الفكري الذي نشأت فيه منذ تعاقب العصور والثقافات التي تأثرت بها، فمن خلال الأمثال التالية: - الرقدة في الجبانة ولا قْعاد الهانة.
- إجري يا تاعس على الناعس.
- الذيب إشهّدْ بعصوصه.
ندرك حضور العنصر البربري في المنطقة؛ فبالإضافة إلى سلوكات أهلها وشكل لباسهم وأمزجتهم الموافقة لسلوكات وشكل لباس وأمزجة العنصر البربري؛ فإنّ الكلمات الواردة في الأمثال السابقة - على سبيل المثال- لها مرجعية بربرية أيضا (الجبانة بعصوصو..)
كما يُلاحظ على أمثال المنطقة ورود بعض الكلمات اللاتينية في ثناياها وانتشار بعض المعتقدات الرومانية فيها، وهي معتقدات لازالت تُشكل رواسب ثقافية في وجدانيات وعقول أهالي المنطقة ولاشعورهم الجمعي. ومن تلك المعتقدات: "وَاحدْ عْبَدْ حَجْرة نال منها" فهذا المثل يحمل في ثناياه معتقدًا وثنيا؛ باعتبار أنّ الرومان (عبدة الأوثان والأحجار) لمّا استعمروا هذه المنطقة جلبوا معهم معتقداتهم التي مازالت رواسبها عالقة في ذهنية الأهالي رغم زوال الرومان عنها ومجيء الدين الإسلامي الحنيف واعتناق الأهالي له.
ومن المعارف الكامنة في أمثال المجتمع التقليدي للمنطقة، تلك التي تعبّر عن مظاهر التواجد التركي بالجزائر وموقف إنسان المنطقة منه. ومن النماذج الدالّة على ذلك:
- كلب ينبح تُركي معدّي.
- ما تُقعُدْ في طريق البايلك ما تَعفْسِكْ زوايلهْ.
- التَلْ يَخْلى وتزول منه الذخاير وتسير النخلة برخلهْ ولا شكْ تخْلى دزاير.
فهذه الأمثال مثلما تعبّر عن تلك الحقبة فهي لم تهمل أن تتضمّن موقف الأهالي منها أيضا: فالمثل الأول يعبّر عن عدم انسجام العنصر التركي مع المجتمع الشعبي المحلّي؛ وقد يعود ذلك إلى ترفّعه وتمييزه بين السكان الأصليين والأتراك الوافدين. أمّا المثل الثاني فيضمّ كلمة تركية (البايليك) وهذا نسبة للتقسيم الإداري الذي جاء به الأتراك أثناء تواجدهم بالجزائـر (بايليك الشرق بايليـك الوسط بايليــك الغرب). أمّا الثالثـ فمورده الضرائب والإتــاوات العثمانية التي أثقلت كاهل الفلاحين فلجئوا إلى الجبال ليشتغلوا بالرعي تاركيــن الفلاحة، ممّا انعكس سلبا على الوضع المعيشي للجزائريين عموما.
وبخصوص تأثير الثقافة العربية الإسلامية على شكل ومضمون الأمثال الشعبية للمنطقة، فهو تأثير بادٍ عليها بوضوح إنْ لم أقل أن أغلب أمثال المنطقة اصطبغت بصبغة إسلامية. ومن خلال ما تقدّم ذكره يتّضح أنّ المثل الشعبي في منطقة الطارف حايث مراحل تاريخية عديدة وتفاعل معها تفاعلا ينمّ عن حيوية المجتمع الشعبي وقدرته على التعبير عن أفكاره وأحاسيسه وجميع انشغالاته المادية والمعنوية عبر أقصر الطرق وأنجعها.
ج- أدب الأفراح الشعبيــّة:
تُعدّ الأفراح لدى مختلف المجتمعات ظاهرة اجتماعية بارزة في المشهد الاجتماعي، يُعَبَّرُ من خلالها عن حالة الابتهاج والسعادة والسرور التي تعيشها الجماعة أو الفرد (حسب طبيعة الفرح)، مبرزين فيها طقوسا وقيما وعادات أقلّ ما يقال عنها أنها تسعى قدر الإمكان لغرس ثقافة المرح والسعادة في النفوس. وللأفراح مناسبات عديدة لدى أهالي المنطقة، منها الزواج، الختان المولود الجديد والاحتفال بقدوم الربيــع، إلى جانب بعض الأفراح المتّصلة بنشاطات اجتماعية أخرى كجني المحاصيل الزراعيــة الحصــاد والبناء. والجدير بالذكر أن كلّ فرح من هذه الأفراح له أدبيات وطقوس وسلوكات خاصّة تميّزه عن الآخر.
ولعلّ من أبرز أدبيات الأفراح لدى الإنسان عموما تلك العبارات التي تُقال بشكل خاصّ في الأفراح دون غيرها ومن بينها الغناء الشعبي. ويضرب هذا الأخير بجذوره في عمق التاريخ البشري؛ فمنذ أن صارت للإنسان لغة وتكونّت له أسرة وصار له مجتمع وهو يغنّي في السرّاء والضرّاء، لارتباط الغناء الشديد بالعواطف الإنسانية؛ بحيث لا نجد شعبا توقّفت جماعاته أو أفراده عن الغناء المفرح أو الحزين وفي أيّ حال من الأحوال. فالغناء على هذا الأساس تعبير إنساني مستمرّ ما استمرت الحياة الإنسانية وقد يكون شعبيّا جماعيا وفي هذه الحالة يُعبّر عن وجدان الشعب وقد يكون فرديا أيضا وفي هذه الحالة يعبّر عن وجدان الفرد المبدع.
وفيما يلي لمحة عن بعض الأدبيات المرتبطة بالزواج التقليدي لدى المجتمع الشعبي في منطقة الطارف:
عادة ما يبدأ الزواج أو بناء البيت باختيار الزوجة، واختيارها قد يكون من قبل الأولياء الذين عادة ما يفضلون تزويج أبنائهم ببنات الأعمام أو الأخوال وهذا ما يعرف بزواج الدم؛ لأنهم يـرون فيه سترا للشرف وتحصينا للميراث وتكبيرا للعائلــة وحفاظا عليها من الغرباء. كما يهدفون من خلال ذلك إلى الحفاظ على نمطهم الاجتماعي وعلى عاداتهم وتقاليدهم الخاصّة. ومن الأدبيات الشعبية الدالّة على ذلك قولهم: "زيتنا في دقيقنا"، "إدّي بنت العمّ ولو بارت وخوذ الطريق الصحيحة ولو دارت" و"ملّس من طينك يسجّيلك"؛ بل من شدّة تفضيلهم ذلك الأمر عن غيره عبّروا عنه صراحة بقولهم:
أدلّولـة واش أداني ناخذ البرانـــــــــــــــــــــــــي
ناخذ بن عمّي كنشوفو نفرح ونغنّي
وقد يفضلـون تزويج أبنائهم بامرأة غريبة، وفي هذا يقولون: "عليك بالسانية لقريبــة والمرا لغريبة"، "وين دمّك وين همّك". ولكن يشترطون فيها أن تكون معروفة الأصل، حسنة التربية وغالبا ما تكون من المنطقة نفسها حيث يقولون: "إدّي بنت الأصول لابد الزمان يطـول" و"عـدّي طريق ملوية ولو كانت دايـرة، وإدّي بنت دوارك ولو كانت بـايرة".
بعد اختيار الزوجة تتمّ الخطبة "وهي طلب الرجل يدّ امرأة معينة للتــزوّج بها والتقدّم إليها وذويها والمفاوضة في أمر العقد ومطالبه ومطالبهم بشأنه" ([29]). وأما الخطبة التقليدية لدى المجتمع الشعبي في منطقة الطارف فقد تصل إلى حدود اختيار الزوجة منذ ولادتها أو حتى قبل ذلك، فعبارات مثل "إذا رزقت ببنت عاهدني على تزويجها لابني" واردة بكثرة. وبالفعل إذا رُزق الرجل بفتاة يبقى ذلك العهد قائما حتى تكبر، فيأتي أب الابن إلى البنت ويقول له: لقد أتيتك لتنفيذ العهد الذي أخذناه سابقا ويخطبهـــا منه ويتفقا على الالتقاء في السوق حيث يتمّ الاتّفاق والتشاور هناك. والأمر اللاّفت للنظر أن البنت لا تعلم أنها مخطوبة إلاّ عند عودة والدها من السوق محملا بـ"القضية" (المشتريات) التي اشتراها والد العريس وتتكوّن عادة من اللحم، الحلوى الطماطم السكر والقهوة ... ثمّ يتمّ الاتفاق بين الطرفين على موعد لزيارة أهل العروس في منزلهم وعند وصولهم يقولون لأهلها:"جينـاكم خطّابة رغّابة في بنت لحسب والنسـب" وبعدها يتمّ الاتفاق على المهر الذي يصل إلى ثلاثمائة دينار جزائري كحد أقصى.
كما يحضرون معهم ما يسمى "الملوك" وهو عبارة عن (طمينة، قندورة، دقلة، بنتوفة (ريحية). وفي الأخير تتمّ قراءة الفاتحة مع الطالب (الإمام). وعند رجوع أهل العريس إلى بيتهم يتمّ تحضير (العصيدة) التي يتفاءلون بها لتكون العلاقة بين العروسين منسجمة ومتماسكة مثل مكوناتها، إلى جانب (المْحَوَّرْ) ([30]) مع الدقلة والسكر، حيث يحضر الأهل والجيران من دون تقديم دعوة لهم.
- أدبيات العرس التقليدي:
في أول يوم يذهب العمّ إلى السوق لشراء الكسوة ومعه بعض الرجال إضافة إلى أبّ العروس وأخوها إن أمكن ذلك. أمّا النساء فيجتمعن في الساحة وهنّ يزغردن ويرششن الماء لكي تأتي مع العروس البركة حيث يقولون: "باش تجي لعروسة مبروكة سعيدة". ثمّ يذهبن إلى الغابة للاحتطاب، لارتباط الغابة في ذهنيتهن بالمرأة: فإذا كانت الأولى ترمز للسريّة والخصوبة والتجدد والثراء، فإنّ العروس كالشجرة في حفظ السرّ والإنجـاب والخصوبة والعطاء والاستمرارية. ويذهب معهن طفل صغير يحمل بيده منديلا (مْحَرْمة) ويمشي أمامهن كالحادي معبّرا عن وجود عرس، فمن رأت هذا الطفل أدركت المقصد وهرعت لمساعدة النسوة في الاحتطاب. وعند عودة الحطّابة من الحطب، يستقبلهم أهل العروس بالزغاريد وطلقات البارود، مردّدين عدّة أغاني من بينها هذه الأغنية المشهورة في المنطقة:
يا حمّى صـادر غضبان * أحليلـــــــــــــــي واش إردّه
والدمعـة حدرتْ ويدان * والزينة حرقت قلبــه
أوقالك خرجوا لثنــان * لثنـــــــــان خارجيـــــــــــــــــــــن
أوقالك زوز قباطيــن * مــــــــــــــــــــن العسّة محدريــن
وفي اليوم الموالي يأكل الجميع الكسرة المغموسة في زيت الزيتون دون غيرها؛ وتلك الكسرة يتعـاون في تحضيرها حوالي اثنتي عشرة امرأة (ستة للعجن وستة للطهــي) ويأكل منها الحضور طوال اليوم وعندما تغيب الشمس وتنتهي الكسرة، يحمل بعض النساء - وعادة ما تكنّ كبيرات في السنّ- الكسكسي فوق البغال إضافة إلى شاة حيّة لتنحر في بيت العروس. ثمّ يلحق بهم المحفل؛ وهو عبارة عن صفوف نسويّة ترتدين أزهى ما عندهن من ثياب وحليّ وخاصة المتزوجات. وما إن يصلن إلى بيت العروس حتى يدخلن عندها ويجتمعن حولها ثمّ ينزعن عنها ملابسها ويلبسنها الملابس التي أحضرنها في "الحقيبة" التي حملتها أم العريس أو أخته دون غيرهما؛ حماية لها من السحر والشعوذة ويطرحن أمامها الصابون والمرآة والعطر والكُحْلة التي حملتها عمّة العريس.
ومن العبارات الممنوعة والمحرمة والتي تنبأ بالشرّ والنحس في اعتقاد الأهالي قول أحد الحضور:
"أ عرّاسة أ مرّاسة، آلي توكلوا بغناجي العود، تحرم لعروسة على لعريس كيما حُرمت مكّة عاليهـود".
فإذا سمعوا أحدا قالها، ركضوا خلفه حتى أمسكوا به ثم يقومون بربطـه وضربه، وإلزام والده بذبح شاة وترديد عبارة أخرى ناسخة لها وبصوت عالٍ حتى يزول النحس والشرّ. والعبارة الناسخة هي:
"أ عرّاسة أ مرّاسة، آلي توكلوا بغناجي العود، حلت لعروسة على لعريس كيما حلت مكّة عالحجاج".
وفي اليوم الثالث يُلبس النسوة العروسَ ملابسها بما في ذلك "البرنوس" ثمّ يأتي رجل ليركِّبَها فوق فرس مُزَيّنة وخلفها يركب طفل صغير (يفضل أن يكن ذكرا لكي تنجب العــروس أول مواليدها ذكرا) ثمّ تأتي طفلـة ومعها رجل ويقال له (الوزير) - ويكون عادة من الأصحاب المقرّبين للعريس- لقيادة الفرس ولا يتركها حتى تدخل دار العريس (السلطان)، أين يتمّ استقبالها بالزغاريد والأغاني مثل قولهم: شرعي بيتك يا أم لعريس * رانا جبنالك كنينة نهار لخميس
شرعي بيتك يا أم لعريس * رانا جبنالك كنينة نهار لخميس
وقولهم: يا مرحبا بعروستنا يا مرحــــبا * يا مرحـبا بنسيـــــــــــبــتنا يا مرحـــــــــــــــبا
يا مرحبا بالفرسان إلي جابوهـا * يا مرحبا ببنت المضرب يا مرحبا
يا مرحبا بصناديقها يا مرحبــا * يا مرحبا ببنت الرايس يا مرحبـا
يا مرحبا ببنت الرايس يا مرحبـا * يا مرحبا بمربط الفارس يا مرحبـا
وقولهم: آي جات وشاقة لمراح وحزامها الطيّة على الطيّة
رخفاتــه كيف طــاح حزام لحرير عامل ضيّة..
وما يستوجب ذكره بعد هذه الرحلة القصيرة في خبايا التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف، هو أنّ هذا الأخير أوسع بكثير ممّا تمّ ذكره، إذْ أنّ هناك أشكالا أخرى كثيرة مجموعة بطريقة منهجية وموثّقة وموضوعة في مكتبة المركز الجامعي بالطارف وعمليات الجمع والتوثيق والدراسة لا تزال مستمرّة. ولأنّ المقام لا يسمح بسردها جميعا، فإنّ هذه المداخلة ستكتفي بما سلف من شواهد، لتنتقل إلى البحث في الآفاق المستقبلية للتراث الثقافي غير المادي بالمنطقة؛ سواء على مستوى عملية جمعه ومناهجها وآلياتها أو على مستوى التوثيق والدراسة العلمية وما يعترض كلّ ذلك من عراقيل سأقترح حلولا لها لاحقا أو على مستوى العلاقة بين التراث ذاته وعملية التنميــة؛ اعتقادا منّي أنّ أنجع السبل للحفاظ عليه هي تطويـر أساليب وطرائق التعامل معه وفق خطط مدروسة بدقّـة ومتابعة بعناية، هادفة إلى فهمه ودمجه وتفعيله وإشراكه في الحياة اليومية للمجتمع حتى لا يقع فريسة للعزلة والتهميش والاندثار.
ثالثا: آفاق التراث الثقافي غير المادي في منطقة الطارف:
تعرف مراكز البحوث والهيئات والمنظمات الدولية وعيا متناميا بأهميّة التراث الثقافي غير المادي، نظرا لواقعية وفعالية هذا الأخير وما أسفرت عنه الأبحاث والدراسات العلمية في هذا المجال من نتائج محفّزة على الاعتناء به. حيث تُجمع في مجملها على اعتباره روح الشعوب الخالد والصوت الذي يُحتكم إليه عند الحاجة. ولهذا بات لزاما على الهيئات والشخصيات الفاعلة في حقل التراث الوطني عموما توثيق عرى التعاون فيما بينهم؛ مبدعين ومالكين وجمعيـات ووكالات محليّة ووطنية من أجل تيسير التعريف به وصونه وإعداد مخطط علمي بارز المعالم وواضح الأهداف لجمعه وتوثيقه ودراسته ومخطط آخر حضري يحتفي بحملته ويوفّر لهم وله الفضاءات المناسبة لعرضه وتفعيله وإشراكه في عملية التنمية.
1- فعلى مستوى المخطّط العلمي أرى أنّه حان الوقت للمتخصّصين في الأدب الشعبي أن يتّخذوا جملة من التدابير من شأنها أن تعزّز الجهد الذي يبذلونه خدمة للأدب الشعبي في المنطقة، أوجزها فيما يلي:
أ- الاعتناء بالمدوّنة الشعبية: ففي ظلّ غياب أرشيف (العناوين القديمة والمواثيق والمخطوطات والوثائق ذات الأهميّة التى تتعلّق بالمنطقة) على مستوى الهيئات والجمعيات العاملة في الحقل الثقافي المحلّي، أصبح لزاما على أساتذة القسم وطلبته أن يتحمّلوا مسؤوليتهم العلمية والتاريخية للنزول إلى الميدان بأنفسهم لجمع وتوثيق المادّة الشعبية وتبويبها وفهرستها وكذا البحث عن المصادر المطبوعة والمخطوطات وكتب الرحلات والكتب الجغرافية والتاريخية والأدبية التي تناولت تاريخ المنطقة من قريب أو من بعيد وجلبها لفرز المادة الشعبيّة الواردة فيها والاستفادة منها في معرفة المنطقة ومجتمعها أكثر.
ب- التخطيط لقراءة منهجية جديدة: يُلاحظ أنّ دارسي الأدب الشعبي في منطقة الطارف ساروا شوطا محترما في جمع المادة الشعبية على الرغم من الطابع الشفوي للمادة ووعورة المنطقة وبُعْد بعض أجزائها عن بعض وقلّة الوسائل المتاحة في عملية الجمع وعدم استفادة الباحثين من أيّ امتيازات أو مساعدات من قريب أو من بعيد لإتمام عملية الجمع الميداني في ظروف مناسبة، إلاّ أنهم على مستوى الدراسة لازالوا يراوحون مكانهم بين الدراسة الكلاسيكية والمنهج الوظائفي. لذا اقترح البحث عن منهج مناسب لخصائص المادّة المجموعة؛ باعتبار أن المادة الشعبيّة عموما تحدّد هويّة الإنسان دون شروط مسبقة وتدعو الباحث إلى أن يتناولها من داخلها؛ أي دراستها بوسائلها الثقافية التى تتضمنها هي نفسها. والمقصود بالقراءة الثقافية هو أن ينظر الباحث إلى الأثر الشعبي في ذاته ويقيّمه بالاعتماد على مقوّماته الخاصّة وليس من وجهة نظر المدرسة الغربيّة.
2- أمّا على مستوى المخطّط الحضري: فعلى الرغم من وعي المجتمع الجزائري عموما بالمحاولات الحثيثة والخطيرة التي تهدد هويّته والرامية إلى طمس معالمها لصهره في بوتقة حضارة واحدة دون مراعاة معطياته الدينية وخصوصياته الثقافية، فإنّ هناك من يعمل بوعي أو دون وعي على إنجاح تلك المحاولات من خلال عمليات الإهمال في حقّ مورثاتنا الثقافية عموما؛ إهمالا يتناسب ووجودنا المهدّد. وإلاّ كيف نُفسّر ما نشهده يوميا من تغافل وإهمال في حقّ كنوزنا البشرية (حفظة التراث الثقافي غير المادي) الذين منهم من مات وماتت معه الكنوز الأثرية التي يكتنزها والتي لا يمكن استرجاعها ومنهم من ينتظر المصير ذاته دون أن يُلتفتَ إليه وإلى القيمة الثقافية التي يمثّلها سواء من قريب أو من بعيد([31][1])، في الحين الذي تحتفي بقية الأمم بهم وتكرّمهم بعد أن تستمع إلى مخزونهم الثقافي وتوثّقه تمهيدا لدراسته وتمحيصه.
ومنطقة الطارف ليست بمنأى عن هذا الحال من الإهمال، ولا هي بعيدة عن تلك التحدّيات التي تفرضها العولمة؛ فقد غزت السلوكات المستوردة بواسطة انفتاح العالم وانتشار تقنيات ووسائل الحضارة الحديثة التي راحت تفتك بمختلف أشكال التعبير الشعبي المادي منه وغير المادي؛ أقول غزت المنطقة وراحت تفتك بالعديد من السلوكات الأصيلة عند المجتمع الشعبي نفسه ممّا انعكس سلبا على هوية أبنائه وتصوراتهم و طرائق تفكيرهم ووضعهم النفسي والاقتصادي كذلك. هذا إذا عرفنا أن من الميزات التي أثبتتها الدراسات والأبحاث النفسية والسوسيولوجية في حقّ التراث الثقافي غير المادي، هي أنّه يخلق نوعا من الاستقرار والسكينة والطمأنينة في وجدان أهله وثقة وثبات في طرائق تفكيرهم، يكون ذلك كلّه حافزا قويّا على النهضة والعمل والتطوّر.
وتُعتبر الكلمة التي ألقاها "محمد بجـاوي" - وزير خارجية الجزائر سابقا- باعتباره رئيس الجمعية العامّة للدول الأعضاء في اتفاقية المحافظة على التراث، المنعقدة بطوكيو اليابانية سنة 2006، من الشهادات المعبّرة عن قيمة التراث النفسية والسوسيولوجية حيث أشاد فيها بالتجربة اليابانية في التنمية، مستنتجا أنّ المجتمع الياباني ما كانت لتقوم له قائمة ويصل إلى ما هو عليه من تقدّم وحداثة ورخاء خاصّة بعد عمليات التدمير التي لحقت به على جميع المستويات وبالخصوص على جانبه النفسي بعد الحرب العالمية الثانية، لولا تمسّكه العميق بتراثه الثقافي غير المادي بالذات وإيمانه الراسخ بجدواه؛ حيث شكّل لديه حوافز قويّة لنهضة حقيقية من تحت الرماد. فالمجتمع الياباني وعلى الرغم من اتخاذه الحداثة عونا له، إلاّ أنه لم يتخل عن مركّبات شخصيته الأصيلة، منطلقا في ذلك من اعتقاده بأن تراثه هو روح شعبه الخالدة والصوت الذي يُحتكم إليه عند المحن والشدائد.
وما دام الأمر بكلّ هذه الأهميّة فإنّ إقامة الجمعيات والدور التي تأخذ على عاتقها مهمّة حفظ هذا الموروث ودراسته وتسخيره ليصبح أداة من أدوات التنمية من جهة، وأداة حوار ثقافي يجابه الغزو الثقافي من جهة أخرى، بات من الحتميات. لكن لبلوغ ذلك لابدّ من العمل بجدّية على إزالة النظرة الدونية والاحتقارية لموروثنا الثقافي حتّى نتمكّن من رؤيته أداة فعّالة في التنمية الشاملة ثمّ تقوم جهات مختصّة بتفعيل الإصدارات القانونية والتشريعية والسهر على رؤية ثمارها في الميدان من خلال عمليات الجمع الميداني وضبط الخطط القمينة بتفعيله واستنطاقه وإدماجه في العملية التنموية وفي أنشطة الناس الحيّة على مدار السنة.
واعتقد أنّ الاستثمار في إمكانيات التراث الثقافي غير المادي على المستوى المحلّي من شأنه أن يحفظ الاستقرار ويحقّق النماء. فعلى الصعيد الاقتصادي مثلا تعدّ بعض المناسبات الشعبية وما يرتبط بها من طقوس وفنطازيا وسلوكات وأدبيات ومأثورات وما يقدّم فيها من أطعمة ومأكولات وطبخ شعبي وما يعرض فيها من حرف يدوية وطبّ شعبي وأزياء شعبيّة وحلي وأصباغ وملابس شعبية واستعراضات فلكلورية وأهازيج ورقصات ... عاملا مهمّا من عوامل الاستقرار والطمأنينة والنماء ورافدا قويّا من روافد اقتصادها، إذْ بفضل خلق فضاءات حضرية مناسبة لعرض ذلك التراث، يمكن لهذا الأخير أن يصبح مصدر رزق للمحتفين به وعنصر جذب هام للسياحة وما تمثّله كمصدر قوي من مصادر الدخل.
وفي الأخير وبعد هذه الجولة في فضاءات التراث الثقافي غير المادي بمنطقة الطارف، لا يسعني إلاّ أن أقول أنّ الروح الخالدة للشعوب لا يجب أن تهمل أو أن تلقى جانبا أو أن يُساء استعمالها أو أن ينظر لها نظرة دونية احتقارية بل على العكس من ذلك لابدّ من مضاعفات الجهود لزيادة درجة الوعي بالتراث الثقافي غير المادي والإيمان بأنه أداة من الأدوات الموصلة لمعرفة التركيبة الشخصية لأصحابه وبالتالي معرفة ما يحبّون وتعزيزه ومعرفة ما يكرهون واتّقائه وهو بالإضافة إلى ذلك أداة منتجة للاستقرار و الثروة أيضا. لذلك يجب تسخير تقنيات الحضارة الحديثة لخدمته من خلال جمعه وحفظه وتسجيله ودراسته وتفعيله وإدماجه في خطط تنموية محليّة أو غير محليّة؛ لأنني اعتقد أن ذلك هو السبيل الأمثل لصونه وفكّ العزلة عنـه وجعله مؤتلفا مع الظروف الاجتماعية والتاريخية والثقافية التي يعيش فيها.
المصادر والمراجع:
[1]- لا تحتوي مديرية الثقافة ولا المصالح الثقافية بدور البلديات بالمنطقة على أي تسجيل أو مدوّنة أو معجم أو أي مجهود من شأنه أن يعرّف من قريب أو بعيد بتراثها الثقافي غير المادي بشكل خاصّ، على الرغم من علمي شخصيا بسعي وزارة الثقافة الحثيث لدفع موظّفيها على القيام بذلك وتوفيرها للأجهزة والوسائل المساعدة على عمليات الجمع والتوثيق من أفواه الرواة والحملة.
[1]- يُنظر بهذا الصدد: عبد الحميد بورايو، مظاهر وحدة المجتمع الجزائري من خلال فنون القول الشعبية، أشغال الملتقى الوطني الأول المنعقد بتيارت 13 - 14 أكتوبر، 2002. دار الأمل للدراسات والنشر والتوزيع، الجزائر، ط3، (خاصة بالجزائر عاصمة للثقافة العربية)، 2006.
[4]- من بين الأعراش المعروفة في المنطقة: عرش نهد، بني مازن، أولاد على، أولاد غياث، أولاد عبد الله، أولاد نصر، الشيابنة أولاد مسعود، بني صالح، الرقاقمة، أولاد ديوب، وعرش بني ورجين...
[5]- الوزيعة تقليد يمارس بالمنطقة، تذبح خلاله بقرة أو شاة أو عدّة بقرات وتوزّع على جميع عائلات الدوار أو المتجاورين أو العرش بالتساوي. ومن كان لديه مال يدفع ومن كان فقيرا معدما لا يدفع. أما "الورية" فمعناها أن يرى الكبير أو من يثقون فيه حلما يزوره فيه كائن ما له مكانة يأمره بتقديم قربان يساهم في تدبيره الأهالي ويوزّع عليهم لدفع خطر ما.
[6]- مجموعة من الكتاب، نظرية الثقافة، ترجمة علي سيد الصاوي، سلسلة عالم المعرفة (233)، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، يوليو 1977، ص09.
[9]- ورد في (الطوطم والتابو):"الأرواحية - في المعنى الضيّق للكلمة- هي علم التصوّرات الروحية، وفي المعنى الواسع هي علم الكائنات الروحية عامة(...) فالشعوب الموجودة وغيرها ترى العالم مسكونا بما لا يحصى من الكائنات الروحية التي تُضمر الخير أو الشر. وهذه الأرواح يمكن أن تفارق مسكنها وتنتقل إلى بشر آخرين". يُنظر: سيغموند فرويد، الطوطم والتابو، ترجمة بوعلي ياسين، دار الحوار للنشر والتوزيع سوريا الطبعة الأولى 1983، ص97. وهي عموما مصطلح يطلق على الاعتقاد في أنّ أرواح موتى البشر أو أرواح الطبيعة تؤدّي دورًا هامًا في حياة الأحياء. فتُقدَّم لتلك الأرواح الذبائح والقرابين وتعقد الاحتفالات لتكريمها. وتتواجد تلك الأرواح في اعتقادهم في الحقول والتلال والأشجار والماء وعناصر الطبيعة الأخرى. ويُظَنُّ لدى البعض أن هذه الأرواح قد تحلّ في أبدان الناس لتفصح عن احتياجاتها ورغباتها.
[10]- تتشكّل الفيتيشية من تصوّرات العامّة السحرية للعالم والأشياء. وهي عقيدة تعتمد على فكرة مفادها أنّ قوّة العالم أو الكون تجتمع في شيء معين وأنّ تقديس هذا الشيء آت من كونه يحمل قوّة كونية تشعّ منه لتجعله مميّزا عن كلّ ما يحيط به من أشياء. ويُعتقد أنّ (الفيتيش) (بمعنى التميمة) يحتوي على قوّة مقدّسة يمكنها دفع الشرّ أو جذب الخير أو تحصين صاحبها.
[11]- لتعريف الطوطمية يطرح "فرويد" السؤال التالي ويجيب: "ما هو الطوطم؟ في العادة هو حيوان يؤكل لحمه، مسالم، أوخطر مخيف وفي النادر شجرة أو قوّة طبيعية (مطر، ماء)، ذو علاقة خصوصية مع كامل العشيرة. فالطوطم هو أوّلا الأب الأول للعشيرة، ومن ثم الروح الحامية لها والمعين الذي يرسل لها الوحي والذي – إذا كان خطرا- يعرف أبناءه ويصونهم. ومن أجل ذلك يخضع أبناء الطوطم لالتزام مقدس رادع ذاتيا يقضي بأن لا يقتلوا طوطمهم (لا يبيدونه) وأن يستغنوا عن لحمه (...) ومن وقت لآخر تقام أعياد يعرض فيها أبناء الطوطم أو يقلّدون في رقصات طقوسية حركات وخصائص طوطمهم". يُنظر المرجع السابق ص 23.
[12]- منها زاوية دوار الشافية وزاوية علي بلعجمي وزاوية خنقة عون وزاوية سبعة رقود وزاوية الزيتونة وزاوية عين الكرمة وزاوية بوحجار ...
[13]- معناه: أن مالك القطيع لا يمكنه أن يحصي قطيعه إلاّ بعد انقضاء فترة (حيّانة)؛ التي تمتدّ من شهر فيفري إلى غاية شهر مارس في العام.
[18]- الغرايف: أكلة تقليدية تتكـون من الدقيق والخميرة والماء وعندما تنضج تروى بالزبــدة والسكر أو العسل.
[20]- أحمد زياد محبك، من التراث الشعبي- دراسة تحليلية للحكاية الشعبية، دار المعرفة، بيروت، لبنان. ط1 2005 ص05.
[21]- وصل إلى علمي إنّ خليّة بحث بقسم اللغة العربية وآدابها بالمركز الجامعي بالطارف، يرأسها د/"صالح جديد" بصدد إنجاز مشروع بحث موسوم بـ"الأدب الشعبي في منطقة الشرق الجزائري".
[22]- ناقش الباحثان "مولدي بشينية" و"جنات زراد" مذكرتي ماجستير في الأدب الشعبي، تحمل مذكرة الأول عنوان"الحكاية الشعبية في منطقة الطارف دراسة مورفولوجية" وتحمل مذكرة الثانية عنوان "الحكاية الشعبية في منطقة الطارف، جمع ودراسة" وتتواجد المذكّرتان في المكتبة المركزية بجامعة 19 ماي 54 بعنابة.
[23]- أشرفتُ شخصيا على أزيد من أربع مذكّرات لطلبة الليسانس بالمركز الجامعي بالطارف، تناولت الأدب الشعبي في المنطقة جمعا وتوثيقا ودراسة أذكر منها: الحكاية الشعبية في منطقة العيون، جمع ودراسة، وأدب المعتقدات الشعبية في منطقة الطارف، جمع ودراسة، وأدب الأمثال الشعبية في منطقة الطارف، جمع ودراسة، والعجائبي في االحكاية الخرافية في منطقة الطارف، جمع ودراسة.
[24]- فلاد يمير بروب، مورفولوجيا الحكاية الخرافية، ترجمة وتقديم أبو بكر باقادر وأحمد عبد الرحيم نصر، النادي الأدبي الثقافي بجدّة المملكة العربية السعودية، ط1، 1989، ص 172.
[25]- يرتكز هذا التحليل على مدوّنة بحث لنيل شهادة الماجستير في الأدب الحديث، تخصّص أدب شعبي، جمعها الطالب "مولدي بشينية" جامعة باجي مختار بعنابة. من أفواه رواة المنطقة الشعبيين، وتتشكّل المدونة من أزيد من ستين حكاية شعبيّة.
[27]- مرسي الصباغ، القصص الشعبي العربي في كتب التراث، دار الوفاء، مصر د/ت ص91.
[28]- عبد العزيز شرف، الأدب الفكاهي، دار نوبار للطباعة مصر ط1، 1992، ص91.
[31]- لا تحتوي مديرية الثقافة ولا المصالح الثقافية بدور البلديات ودوائر المنطقة على أي أرشيف أو تسجيل أو مدوّنة أو معجم أو مخطوط أو أي مجهود من شأنه أن يعرّف من قريب أو بعيد بتراثها الثقافي غير المادي بشكل خاصّ، على الرغم من علمي شخصيا بسعي وزارة الثقافة الحثيث لدفع موظّفيها على القيام بذلك وتوفيرها للأجهزة والوسائل المساعدة على عمليات الجمع والتوثيق من أفواه الرواة والحملة.
Aucun commentaire:
Enregistrer un commentaire