dimanche 6 mai 2012

في النقد النفسي

تجـليـّات الصـراع و آليـاتـه النـفسيـة
قصيدة "الذبـيـح الصاعـد" لـ"مـُفـدي زكـريا" نموذجا([1])
الأستاذ: مولدي بشينية/المركز الجامعي بالطارف، الجزائر
مـلخّـص:      
تجتهد هذه الدراسة في تقديم تحليل لنصّ شعري معاصر وفق المقاربة النقد- نفسية، قصد التعرّف على ما يحكمه من قوانين ويحمله من قيم ويتميّز به من ثراء؛ وذلك بالاتكاء على النتائج التي توصّل إليها "النقد النفسي" وما زوّد به دارسي الأدب من تقنيات، تمكّنهم من فهم النصوص والإحاطة بمختلف جوانبها ما أمكن.
 
Résumé:
Cette contribution présente une étude analytique d’un texte poétique moderne suivant l’approche psychocritique. Le but de se travail est de découvrir le texte à travers ses codes, ses valeurs, sa richesse, et de montrer les efforts de la psychocritique pour mieux comprendre et cerner le texte littéraire.                                                                                                      

مـدخل:
تقتضي دراسة نصّ أدبيّ وفق تصوّرات "النقد النفسي" ومقولاته، أنْ يكون الدارس - بالإضافة إلى مؤهلاته النقدية الأوّلية - مؤهّلا "علمنفسيّا" لتقديم تلك الدراسة. ومن بين المؤهلات التي يجب الإلمام بها في هذا المجال الإطّلاع على منشأ وأسس ومنطلقات النظرية السيكولوجية وتتبّع مختلف التطوّرات والتنقيحات التي مرّت بها خلال مقاربتها للظاهرة الأدبيّة والتوقّف عند "الهنّات" المسجّلة عليها من قبل الباحثين أيضا. ليستطيع بعد ذلك، اتّخاذ المسار الذي يرتضيه "النصّ" أو "النصوص" قيد الدراسة.
ولا يخرج الحديث عن "الصراع وآلياته النفسيّة" في نصّ أدبي ما، عن المقتضيات السابقة أي معرفة كشوفات علم النفس فيما يخصّ فكرة "الصراع" عموما، ومعرفة تمظهراتها عند الأدباء والمبدعين بشكل خاصّ وكيفيات تجلّيها في نصوصهم الإبداعية بشكل أخصّ. ثمّ الإحاطة بالتحديدات "العلملنفسية" لفكرة "الآليات النفسية" وصورها في النصوص. أيّ أن حيازة الدارس معرفة "علمنفسية" أمرّ لا مناص منه، للحديث عن "الصراع وآلياته النفسيّة" في نصّ أدبيّ ما؛ ذلك حتّى يتمكّن من القبض على "اللحظة السيكولوجية" في النصّ، فيستطيع فهمه وإعادة إنتاجه.
وإنْ كانت هذه الدراسة تولي أهميّة قصوى في مقاربتها لموضوع "الصراع وآلياته النفسية" في قصيدة "الذبيح"، لكشوفات علم النفس ومختلف مقولاته وتصوّراته، فإنّها لا تلزم نفسها بإغفال مجموعة من العلوم والمعارف والقضايا الخارجة عن تلك الكشوفات ولكنّها ذات صلة بالنصوص الإبداعية؛ كعلم الاجتماع ونظريات الأدب والتاريخ ومختلف السلط والسياقات؛ التي من شأن التزوّد بمعطياتها أن ينير "العتمة" التي قد تعترض أي مقاربة نقد نفسية.
بيْد أنّ هذه الدراسة، ستحفر في اللحظة التاريخية التي أُنتج النصّ مناط الدرس في سياقها وتنقّب في مختلف السلط والسياقات (الشخصية والعامّة) التي أدّت إلى انوجاده والنظرية الأدبيّة الخاصّة به. اعتقادا منّي أنّ "الناقد الذي يقنع بجهله في حقل العلاقات التاريخية، سرعان ما يضلّ في أحكامه الأدبيّة (...) ولا بدّ أنّه من جهله بالشروط التاريخية، سيخطئ على الدوام في فهم عمل فنّي معيّن. إنّ الناقد الذي يحوز على معرفة بالتاريخ أو يكتفي بالقليل منها، يميل إلى إطلاق التخمينات جزافا أو ينغمس في مغامرات شخصية بين الروائع".([2])   
وانطلاقا من المبادئ السابقة، سأقسّم الدراسة إلى قسمين: قسم نظري، أتعرّض فيه بالتعريف للنظرية السيكولوجية والتطرّق إلى أبرز التطوّرات التي لحقت بها في تعاملها مع الظاهرة الأدبيّة مع التركيز على أهمّ مقولاتها بخصوص فكرة "الصراع وآلياته النفسيّة" لدى الأدباء على وجه الخصوص. وآخر تطبيقي؛ أتعرّض خلاله لـ"تجليّات الصراع وآلياته النفسيّة" في قصيدة "الذبيح الصاعد" لـ"مفدي زكريا"؛ بالتوقّف عند "تيمات" الصراع السطحيّة منها والعميقة وأسبابه الظاهرة والخفيّة وآلياته النفسية ودلالاتها وأبعادها. هادفا من وراء ذلك، إلى القبض على القيمة الجمالية والمعرفية، التي يمكن أن يخلقها تضافر الحقل النفسي مع بقية الحقول في النصّ الأدبي.
 أولا: القسم النظري:
- النظرية السيكولوجية والظاهرة الأدبيّة:
ينصبُّ اهتمام النظرية السيكولوجية، في تعاملها مع الظاهرة الأدبيّة تحليلا ونقدا "على الدلالات الباطنية في العمل الأدبي والفني الذي قد يتأثّر بالعقل الباطن عند الفنان أكثر من تأثره بعّقله الواعي".([3]وتفيد النظرة الشموليّة لإنجازاتها، في إمكانية حصرها في ثلاثة اتجاهات رئيسة تعامل كلّ اتجاه مع الظاهرة الأدبيّة، بكيفية خاصّة به دون أن يقطع مع بقية الاتجاهات.
فهناك الاتجاه التحليلي، الذي يرى أن التركيز على "شخصية الأديب"، قمين بتفسير جوانب كثيرة في عمله الأدبي. وهناك الاتجاه شبه التحليلي؛ الذي يرى أن "المزاوجة" بين "الابستومولوجيا" و"التحليل النفسي" قادر على الإجابة عن التساؤلات التي يثيرها ذلك العمل. وهناك الاتجاه الثالث الذي يرى إن دراسة الأدب دراسة نفسية، تتمّ من خلال "الربط" بين التحليل النفسي والنقد الأدبي فأنجز ما يسمّى بـ"النقد النفسي للأدب". فما هي أبرز إسهامات كل اتجاه في تعامله مع الظاهرة الأدبيّة وما هي خلاصة تحليلاتهم لفكرة "الصراع" المُتجلّية فيها وكيف قاربوا موضوع "الآليات النفسية"؛ التي قد يوظّفها المبدع توظيفا فنيّا؟
1- الاتجاه التحليلي النفسي للأدب:
يتّفق الجميع على عدّ "س. فرويد" (S.Freud) (1856- 1939)، من العلماء الأوائل الذين دعوا إلى "ارتباط العالم النفسي بعالم الأدب الفني"؛([4]) بيد أنّه حلّل العديد من النصوص الأدبيّة وغيرها تحليلا نفسيا، إلى درجة أنه "لم يعد في وسع أحد أن يتجاهل كشوف هذا الرائد العظيم في مجال المعنى".([5]) غير أنّ العودة إلى الوراء قليلا تضعنا أمام النداء الذي أطلقه "سانت بيف" (Sainte-Beuve) (1804- 1869)، مطالبا بإنشاء "سيكولوجيا للكتّاب"، يكون عملها الالتفات والولوج  إلى الوجدان الإنساني المبدع؛ ممّا شجّع "النفسانيين" للخروج عن حدود مهنتهم والالتفات إلى الآثار الفنية والأدبية وأخذوا يعون بنسبة كبيرة، علاقة الإبداع الأدبي بالسيكولوجيا "فإذا كان الأثر الأدبي يجد تجانسه في روح عاطفي يسري في بنياته فالسيكولوجيا– هي قبل كل شيء- فهم للعاطفي".([6])
وينبني التحليل النفسي للظاهرة الأدبيّة عند "فرويد"، على اعتبار "المعنى بنية رمزية حافلة بأبعاد ولها دقّة خاصة رغم تعميتها وتحريفها".([7]) وبالتالي يصبح من المهّم على المحلّل أن يضع في حسابه، إن كلّ شيء يمكن أن يكون رمزا. وفكّ شفرات تلك الرموز لا يكون إلّا بالرجوع إلى "حياة الأديب" والنبش في مكونات شخصيته، للوصول إلى تركيبة دوافع "الصراع" لديه، الكامنة في عالم "اللاّشعور". ويرجع "فرويد" كل الغرائز الإنسانية إلى "غريزة الجنس والرغبة (...) وإلى غريزة الموت. ويقصد بغريزة الموت، أن في كلّ إنسان دوافع تضادّ، تهدف إلى الفناء والموت ومن جرائها يسعى إلى الهروب بمحاولة إعادة الحياة".([8]) 
Suppression " والكبـت " répression" والتسامي"sublimation" والتبرير والقلب" conversion " والتقهقر"([9]) ويرى أنه في الحين الذي ينحلّ فيه "الصراع" إلى صورة مقبولة شخصيا بواسطة آلية "القلب" باعتباره منفذا للطاقة المحتبسة، "فإن التسامي يؤدي إلى إظهار عبقرية وامتياز في الفن أو في العلم".([10])
وإذا كان" فرويد" يركّز في تحاليله بصورة عامّة، على "اللاّشعور الشخصي" وينظر إلى "الصراع" باعتباره "محصّلة شخصية"، فإن "ك. يونج".( k.Yong) (1857- 1961) يتجاوز ذلك إلى "اللاّشعور الجمعي"؛ ويرى "أن علّة الإبداع الفنّي الممتاز هو تقلقل اللاّشعور الجمعي في فترات الأزمات الاجتماعية، ممّا يقلّل من اتّزان الحياة النفسية لدى الفنان فيدفعه ذلك إلى محاولة الوصول إلى اتزان جديد".([11]) معتمدا على مجموعة من الآليات الموصلة؛ كآلية الإسقاط "projection" وآلية الحدس «intuition»؛ التي هي "القدرة على سبر أغوار المجهول دون الاعتماد على مشاهدات أو مقدمات أو خطوات عقلية سابقة".([12]) وقد كان لدعوتهما للاهتمام باللاّشعور (الشخصي والجمعي) الأثر العميق في تطوير الدراسات النفسية للظاهرة الأدبيّة، وفي ذلك يقول أحد الدارسين: "إن الدعوة إلى اللاّشعور قد أتاحت لنا تصفية إحساسنا بالشعر وتعميق ذلك الإحساس".([13])
2- الاتجاه شبه التحليلي النفسي للأدب:([14])
بعد انحسار موجة المحلّلين النفسيين في دراسة الأعمال الأدبية؛ نظرا للانتقادات التي وُجِّهتْ لإنجازاتهم؛ كافتقارها للحسّ النقدي والجمالي من جهة وافتقارها للآليات النقدية والعتاد الإجرائي الكفيل بمقاربة الظاهرة الأدبيّة في استقلاليتها من جهة أخرى؛ ممّا يحفظ خصوصية الأدب وعدم تحويله إلى عميل من عملاء المصحّات النفسية، ظهر اتجاه جديد عمل على الاستفادة من كشوفات التحليل النفسي، دون الوقوع في مطبّات التوجّه الطبّي السريري للأعمال الأدبية وأصحابها. ويُعدّ "غاستون باشلار"(Gaston.Bachelard) (1884- 1962) رائدا لهذا الاتجاه بدون منازع.
وقد أهّلت الحصيلة المعرفية والعلمية الثرّة "باشلار"، للمزج بين "فلسفة العلوم" و"التحليل النفسي"، فأنجز ما يربو على الثلاثين كتابا في مختلف حقول المعرفة، مثل: )الروح العلمية الحديثة(، )حدس اللحظة( )جماليات المكان(، )شعرية أحلام اليقظـة(، )حق الحلم)، )التحليل النفسي للنار(، )الماء والأحلام( و)لهب الشمعة(... وتعدّ أفكاره وتصوّراته حول (أحلام اليقظة) من أكثر الأفكار والتصوّرات شيوعا واستلهاما من قبل المبدعين والنقّاد على حدّ سواء، إذْ استطاع أن يجد محدّدات نفسيّة لها، تقوم على الجمع بين الإدراك والإبداع.
 3- النقد النفسي:
تعاقبت الجهود الرامية إلى ردم الهوّة بين الجانب الجمالي في الأدب والجانب العلمي للتحليل النفسي، على يدّ مجموعة من الدارسين، الذين عملوا على توظيف القسط الضروري فقط من التحليل النفسي، بحيث يضمنوا للظاهرة الأدبيّة استقلاليتها. إلى حين ظهور "شارل مورون" (Charles.Mauron) الذي ظهر معه "النقد النفسي" وتحقّق به اللّقاء بين النقد الأدبي والتحليل النفسي. وهو "لا يتردّد في تسميّة مذهبه بالنقد النفسي" Psychocritique".([15]) فقد تكوّنت لهذا الناقد ثقافة علميّة وأدبيّة في وقت معا. كما كانت لدراساته عن "اللّاشعور" في آثار "راسين" والاستعارات الملحّة والأسطورة الشخصية مساهمات قيّمة في مجال النقد الأدبي والتحليل النفسي.
انطلق "مورون" في نقده النفسي، من استبعاد أن يكون التحليل النفسي للأدب والفنّ مجرد تحليل "إكلينيكي" تتحكّم فيه وتضبطه قواعد التشخيص الطبّي، على الرغم من أهميتها في تناول شخصية الأديب. وإنّما ركّز في دراسته لشخصية "راسين" ومسرحياته على "اللاشعور ومركّب أوديب ومبدأ اللّذة والصادية والمازوخية والكبت الشديد ورقابة الأنا الأعلى... ولم يهمل أيضا تحليل الصراعات الكامنة وراء المآسي واستخلاص بنيتها المتجانسة بالاعتماد على العناصر البيوغرافية".([16]) معتبرا "فنّ القراءة" الدعامة الأساسية التي يقوم عليها منهجه، الذي ينطلق من رؤية تُحدّدُ الإبداعَ في ثلاثة عوامل هي: الوسط الاجتماعي وتاريخه وشخصية الأديب وتاريخها واللغة وتاريخها. ويعتبر عامل شخصية الأديب وتاريخها موضوع النقد النفسي في المقام الأول. ويمكن إيجاز المبادئ التي اعتمدها "مورون" في منهجه كما يلي:
أ- ارتياد عالم النصّ الأدبي باعتباره ظاهرة فنّية ولغوّية وليس كوثيقة معرفيّة.
ب- التنقيب في عتمة لاشعور المبدع عن العناصر المكوّنة للأثر الأدبي وفيما اختاره من عبارات وأفكار تُمثّل– في الحقيقة- الجانب اللاّواعي من حياته الخفيّة؛ "التي تقودنا إلى الصور الأسطورية والحالات المأساوية والباطنية التي انطلق منها الأثر الأدبي".([17])
ج- لا تقتصر دراسة النصّ الأدبي دراسة نقد- نفسية، على تحليل الأثر تحليلا شكليا ولغويا ولا على تحليله تحليلا نفسيّا، وإنما بتأسيس وحدة بين التحليلين. وذلك بالبحث في الصلة بين جوانب النفس اللاشعورية للشخصية المبدعة– من جهة- والشبكة الدلالية في العمل الإبداعي من جهة أخرى.
وكخاتمة لهذا المدخل النظري أقول: إن موضوع "الصراع وآلياته النفسية" في الأعمال الأدبية، من المواضيع الأساسية في النظرية السيكولوجية عموما، إلاّ أنّ منجزات "النقد نفسي" وما حقّقه على المستويين النظري والتطبيقي ووضعه التحليل النفسي في خدمة النصوص لا العكس جعل هذه الدراسة تختار مقولاته وتصوراته في دراسة قصيدة "الذبيح الصاعد" وذلك وفق الخطّة الإجرائية التالية:
1- تجلّيات الصراع وعناصره في قصيدة "الذبيح الصاعد".
2- الآليات النفسية للصراع ودلالاتها في القصيدة.
3- خاتمة.
ثانيا: القسم التطبيقي:
 1- تجليّات الصراع وعناصره في قصيدة "الذبيح الصاعد":([18])
انطلقت دراستي- في الحقيقة- من انطباع تشكّل لديّ، بعد قراءات عديدة لنصّ "الذبيح" في علاقته بنفسية الشاعر والسياق المُنتج للنصّ. ثمّ تطوّر ذلك الانطباع ليشكّل قناعة لديّ، تتمثّل في أنّ النصّ ذاته "صراعي" بامتياز. فعلى الرغم من خطورة وبشاعة اللحظة السيكولوجية التي أنتجته وحيازتها (اللحظة) إمكانات كبيرة للفتك بالشاعر وتعطيل قدراته الإبداعية بشكل خاصّ؛ غير أنّ القارئ للقصيد، يجد عكس ذلك تماما؛ يجد نصّا منتصبا بشموخ: أصبح اقتياد الذبيح إلى المقصلة فيه، اختيالا وزهوا وباتت حادثة الذبح في ثناياه عرسا وزغاريد وأفراح وغدا موت "زبانا" مرادفا لحياة أخرى أجمل وأنقى. فاستفزّتني هذه "الحالة الشعرية" وولّدت عندي عدّة تساؤلات منها:
ما هو موضوع  القصيدة الحقيقي: هل هو وصف مشهد دموي رهيب أم هو اختبار قدْرات الذات على تحمّل الألم؟ هل أراد "مفدي" "الاحتجاج" على فعل إجرامي دموي كان شاهد عيان عليه، أم رام ترويض مشاعر الألم لديه عبر الكتابة؟ وما علاقة الكتابة بالكبت؟ وهل هناك عدّة نظرية وآليات إجرائية يمكن أن تُسعف الدارس للتمييز بين حدود "الصراع" وتخوم "الألم" في الكتابة الإبداعية؟ ثمّ إذا كان "مفدي" يعتبر نفسه "وُجد لصراع المستعمر أصلا"([19])، فما هي "الآليات النفسية" التي لجأ إليها لكبت ألمه بواسطة الكتابة ذاتها؟ ذلك ما ستعمل هذه الدراسة على مقاربته وفق مقولات وتصورات النقد النفسي.
 ولن أجانب الصواب إن قلت إن ديوان "اللهب المقدس" برمّته، ينبني على موضوعة "مصارعة الدخيل الأجنبي". وهي الموضوعة التي تسري بين بنياته مكوّنة "الأيديولوجيا" التي تؤثّث جميع مفاصله وتهيمن على جميع أرجائه وقصائده. فسواء إن انطلقت من العنوان الرئيس أو من العناوين الفرعية، فإنّه بالإمكان مصادفة طابع "الصراع" والمطارحة والاحتجاج. بيْد أنّه بإمكان القارئ العادي؛ من خلال وقوفه عند "المطابقات" و"المقابلات" وغيرهما في قصائد الديوان، أن يدرك بأنها لم تأت صياغة أو تنميقا، وإنّما هي تغذية راجعة لثقافة مرحلة تاريخية بأكملها؛ مورس فيها "الصراع" على المجتمع الجزائري، فانعكس على تعابيره الأدبيّة المختلفة.
ولا تخرج قصيدة "الذبيح الصاعد"، التي تحتلّ مدخل الديوان، حائزة بذلك موقعا استراتيجيا فيه؛ باعتبارها النصّ الأوّل الذي سيصادفه المتلقّي سيكولوجيا ومعرفيّا، عن أجواء "الصراع" الذي وضع "مفدي" نفسه وفنّه في أتونه. فهو من هذه الزاوية النصّ الأقدر من بين نصوص الديوان، على إحالة المتلقّي على ما هو خارج الديوان وداخله؛ بالإضافة إلى وظيفته الإغرائية (séduction du public) ومركزيته في تبئير دلالات الديوان ككلّ. زد على ذلك، صلاحية حقله النفسي لتقديم دراسة "نقد نفسية" طريفة، لما تحمله تعابيره من معاني ظاهرة وأخرى خفيّة تعبّر عن مكونات الشاعر والمتلقي النفسية وما تحتويه مساراته، من علاقات عاطفية موجبة وسالبة شديدة الثراء تنمّ عن ثقافة عالية، تعبّر عن موقف واضح من الفترة التاريخية المُنتِجَة.
أ- تاريخ النص / تاريخ الصراع:
إذا كان المقام لا يتسع للحديث عن العلاقة بين التاريخ والأدب أو عن علاقة "الصراع الإنساني" بالفنّ عبر التاريخ بعبارة أدقّ، فإنّه لن يضيق في وجه البحث عن العلاقة بين النصّ    – قيد الدرس- واللحظة التاريخية التي وُلد من رحمها وكذا علاقته باللّحظة الخافية للصراع؛ التي تضرب بجذورها في عمق "المطموس"؛ الذي تريد القصيدة إثبات فعاليته في حلبة "الصراع" الدائر بين الشعب الجزائري وفرنسا الاستعمارية في حقبة من حقب التاريخ الحديث.
وإذا كانت عملية القبض على اللحظة التاريخية التي وَلَّدَتْ النصّ أمرا يسيرا، لأنّها مرسومة في "التصدير" الذي وشّى به الشاعر نصّه، فإنّ القبض على اللحظة الخافية  يستوجب النبش في مكوّنات الشاعر النفسيّة وفي لا شعوره الجمعي بالخصوص؛ لأنّني اعتقد إنه في مواجهته للحظة التاريخية المأساوية التي ولّدت الإبداع لديه، استخار موروث شعبه وأمّته؛ بل وموروث الإنسانية جمعاء، حتى يتمكّن من تجاوزها. تمّ ذلك بطرائق واعية حينا ولا واعية أحيانا، لتحقيق جملة من الأهداف، سأعمل على كشفها في حينه.
يتشكّل النصّ؛ بالاعتماد على "الخيط الشعوري" السائد فيه، من لحظتين سيكولوجيتين تتوزّع اللحظة السيكولوجية الأولى في القصيدة، من البيت الأول إلى البيت الواحد والعشرين. ويصف فيها الشاعر"المثير" الذي أفاض كأس الإبداع لديه. وهي تلك اللحظة التاريخية الهامّة والمأساوية من تاريخ الثورة الجزائرية؛ حيث سيق الشهيد "أحمد زبانا" من قبل الهمجيّة الاستعمارية ليدشّن مقصلة سجن "بربروس" بقطع رأسه. وذلك في ليلة الثامن عشر من جويلية سنة 1955. ولأنّ الحادثة كانت عظيمة في مأساويتها، فقد انعكس ذلك على لغة الخطاب الشعري في هذا القسم، فجاءت حُلميّة مُثخنة بسطوة اللّاوعي من فرط الصدمة. وسأوضّح ذلك في أثناء حديثي المقبل عن الآليات النفسية للصراع في النصّ.
أمّا اللحظة السيكولوجية الثانية، فتتوزّع على باقي أبيات القصيدة. ويتكفّل الشاعر خلالها بالردّ والإجابة على الحادثة المأساوية المذكورة وعن السياق الذي أوجدها: الظاهر منه والخفيّ. وقد تميّزت لغة هذا القسم بسيطرة "لغة الشعور" مع حضور فجائي لبعض "الخطابات اللاشعورية" التي سأستثمرها عند حديثي عن "الصراع الخفيّ" في النصّ وعلاقته بالمكونات النفسيّة للشاعر ولا شعوره الجمعي. والنص بالنظر إلى خيطه الشعوري وأجوائه النفسيّة والتاريخ الذي أوجده وعلاقة ذلك التاريخ بسيكولوجية الشاعر، عبارة عن "مثير" و"استجابة" بحسب التعبير "الجشطالتي". وفيما يلي سأقوم بتحديد أطراف الصراع وأسبابه الظاهرة والباطنية، لأمرّ بعد ذلك إلى آلياته النفسية.
ب- أطراف "الصراع" وعناصره في النصّ:
جاء في النصّ التقديمي للقصيدة، إنّها "نُظمتْ بسجن بربروس في السـاعة التاسعة في الهزيع الثاني من الليل أثناء تنفيذ حكم الإعدام على أول شهيد دشّن المقصلة المرحوم "أحمد زبانا" وذلك ليلة 18 جويلية 1955".([20]) ونفهم من ذلك أن النصّ ولد في مكان غير عادي وفي زمن غير عادي وفي سياق غير عادي أيضا؛ فقد تضافرت هذه الفضاءات غير العادية مجتمعة لتشكّل الفعل "الضاغط" على نفسية الشاعر، الذي لجأ بدوره إلى "الشعر"؛ باعتباره تعبيرا غير عادي بدوره، ليفصح من خلاله عن محصّلة "الضغط" و"الصراع" لديه.
وتفيد القراءة الفنيّة للصراع في نصّ "الذبيح"، بأنّه يتجلّى عبر مستويين: أحدهما ظاهري والأخر باطني ولكلّ مستوى من هده المستويات أطرافه وأسبابه وتيماته وعلاقاته العاطفيّة. وإذا كان تحديد مكوّنات المستوى الأول (الظاهري) أمر يسير، فإنّ تحديد مكوّنات المستوى الثاني (الباطني) ليست كذلك؛ فهي تحتاج أن نجتاز حدود القراءة درجة درجة، بحثا عن"النفسية" المنشأة للأفكار والصور في النصّ.
1- الصراع الظاهري: ويقوم في النصّ بين طرفين؛ جَمَع كلُ طرف لزاويته مجموعة من العناصر لتقوية جانبه نظرا لما لتلك العناصر مجتمعة من علاقات عاطفيّة تربطها. ويشكّل (الشاعر+ الشهيد + المجتمع الجزائري الثائر)، عناصر الطرف الظاهري الأوّل في عملية الصراع الظاهري في النص. أمّا العلاقة الجامعة بين عناصر هذا الطرف فهي "التضحيّة" في سبيل الوطن لنيل الاستقلال. نفهم ذلك من مقول القول التالي:
            "نحن ثرنا فلات حين رجوع     *       أو ننال استقلالنا المنشودا"([21])
ويشكّل المستعمر وجنوده في الجزائر وأتباعه من الجزائريين الذين استمالتهم مغرياته العناصر الأساسية للطرف الظاهري الثاني. أمّا العلاقة الجامعة بين العناصر المكونّة لهذا الطرف، فهي استعباد الشعب الجزائري السيدّ في أرضه ونهب خيراته. ويعّبر الشاعر عن ذلك بقوله: 
           دولة الظلــم للزوال إذا ما       *     أصبح الحرّ للـطغـام مسـودا
         يا ضلال المستضعفين إذا هم      *     ألفـوا الذلّ واستطابوا القعـودا([22])
2- الصراع الخفي:
يتجاوز الصراع الخفي أو الباطني، المظاهر الصراعية البادية على سطح النصّ، ليلامس أماكن أكثر عمقا في "ذات" وتاريخ طرفي الصراع. فلم تعد حادثة إعدام الشهيد "أحمد زبانا" واغتصاب الأرض الجزائرية من قبل الاستعمار الفرنسي، هي الأسباب الحقيقية للصراع، بل إنّ "الثورة" التي قام بها الدين الإسلامي الحنيف؛ التي هزّت أركان العالم القديم مغيّرة قيم الباطل بقيم الحقّ، وصولا إلى الحروب الصليبية الآثمة والحاقدة التي اكتوى بنارها العالم الإسلامي، هي المحرّك الحقيقي للصراع الدائر بيت الطرفين. ومن هذا المنظور، لم يعد الصراع صراعا من أجل استرداد الأرض المغتصبة فحسب، وإنّما أصبح استردادا لوظيفة الشعب الجزائري الحضارية المستلبة واتزانه النفسي الغائب بفعل الغزو الاستلابي الصليبي الحاقد.
ويعدّ "الاستلاب" عنصرا أساسيا من العناصر التي تدخل في صميم الوظيفة الاستعمارية أين يشكّل "التحريف" و"الحقد" أبرز أعمدته. نجد ذلك في قول الشاعر:
       سوف لا يعدم الهلال صلاح الد        *     ين فاستصرخي الصليب الحقودا([23])
فهذا الخطاب الشعري الذي تمكّن من الإفلات من السياق الواعي الذي سبقه وتلاه، يختزن بداخله مجموعة من الرموز(الهلال، صلاح الدين) وهي بذاتها تعدّ من مقومات المجتمع الجزائري التي عمل الاستعمار - خلال حملته الشرسة- على طمسها وتغييبها.. ويكفي أن نستمع "للكاردينال لا فيجري" حين يصرّح قائلا: "علينا أن نخلّص هذا الشعب. ونحرّره من قرآنه، وعلينا أن نعتني على الأقل بالأطفال لتنشئتهم على مبادئ ما شبّ عليها أجدادهم، فإن واجب فرنسا تعليمهم الإنجيل، أوطردهم إلى أقاصي الصحراء بعيدين عن العالم المتحضر".([24])
فالصراع الخافي- مثلما عبّر عنه النصّ- يضرب بجذوره في عمق التاريخ؛ هذا التاريخ المطموس من قبل المستعمر والمخزون في "الضمير الجمعي" للشاعر، فسح له المجال ليتٌمّ توظيفه عبر رمز"الهلال" الدالّ على الأمّة الإسلامية، ورمز"الصليب الحاقد"، الدالّ على المسيحية المنحرفة الحاقدة على الإسلام. ويأتي اسم "صلاح الدين"، ليرمز إلى مآل ذلك الصراع وخاتمته من باب "أن التاريخ سيعيد نفسه".
 ج- أسباب الصراع في النص:
تنقسم أسباب "الصراع" في النصّ مثلما تنقسم أطرافه، إلى أسباب ظاهرة وأخرى خفيّة. والنصّ وإن كان يبوح بالكثير عن الأسباب الظاهرة للصراع الدائر بين المجتمع الجزائري والاستعمار الفرنسي، فإنّه يكتفي بالتلميح فقط، عن أسباب الصراع الخفيّة؛ تاركا للمتلقي المشاركة في الكشف عنها؛ من منطلق أن "القراءة" أيّ قراءة، ما هي إلاّ نقطة التقاء بين سيكولوجيتين بالأساس. ولا يمكن لهذا "الالتقاء" أن يكون مثمرا، ما لم يكن هناك تفاعلا بين السيكولوجيتين.
وتكشف الأساليب الاستفهامية المتعجّبة والمتعاقبة بشكل لافت للانتباه، عن الحالة النفسيّة الثائرة والغاضبة للناصّ، وتكشف أيضا، عن الأسباب الظاهرة للصراع القائم بين أطرافه الظاهرين. وهي أسباب مبنيّة على واقع موضوعي أساسه الاغتصاب؛ أي بين مستعمر غصب الحقوق وأصحاب حقوق يريدون استردادها. نجد ذلك في قول الشاعر:
ليس في الأرض سـادة و عبـيـد  *    وكيف نرضى بأن نعيش عبيدا؟!
أمـن العدل صاحب الـدار يشـقى *    ودخيل بها يعيش سعيـــدا؟!
أمن العدل صاحب الـدار يعـرى *     وغريب يحتل قصرا مشيـدا؟!
ويجوع ابـنها فــيعـدم قوتــا *      وينال الدخيل عيشا رغيـدا؟!
ويبـيـح المسـتعمـرون حماهـا *      ويظل ابنها طريدا شريــدا؟؟([25])
أمّا الأسباب الخفيّة للصراع، فأنّها لا تكاد تبدو حتى تختفي ولا تكاد تختفي حتى تبدو بأشكال مختلفة وكأنّ ما تحمله من قدْرات على الظهور أقوى من قدرة الشاعر على إخفائها. فبين الحين والآخر تعلن عن قوتّها وسطوتها على"أنا" الشاعر وضغطها على ساحة شعوره ولو من بعيد، كاشفة عن مكوّنات نفسيته وعناصر هويّته ومبتغاه من الصراع.
إن الصراع لدى "مفدي" في المرحلة التاريخية التي يمثّلها، ليست بين غاصب للحقوق زجّ به في أعماق سجن "بربروس"، وذبح رفيقه ونهب خيرات شعبه السيّد في أرضه فحسب؛ وإنّما هو صراع متصل الحلقات بين الصليب المسيحي المحرّف الحاقد والتعاليم الإسلامية السمحاء. إنّه الصراع الأزلي بين "الحقّ" و"الباطل" و"الإيمان" و"الكفر" و"الخير" و"الشرّ"؛ صليب اعتاد القتل (حادثة المسيح الذي زعموا قتله) وإسلام ينبذ الظلم والشرّ والاعتداء واستلاب الحقوق.
وهنا تظهر قوّة حدس الشاعر وقدرته على سبر أغوار المجهول، دون الاعتماد على مشاهدات أومقدمات أوخطوات عقلية سابقة؛ فالمسيح والهلال والصليب وصلاح الدين... رموز بعيدة  تقبع في "اللّا شعور" وتختزن كرنولوجيا الصراع الدائر في الوطن، خلال الفترة التي تواجد فيها الشاعر؛ لجأ إليها محاولا القبض على  اللحظة النفسية المُنشأة لذلك الصراع، فوجدها تتمثّل في الحقد الدفين والمسيطر على شخصية المستعمر منذ أمد بعيد. وهو لجوء ينمّ عن مكونات الشاعر النفسية والدينية وتمثّله لموروث مجتمعه وأمّته والإنسانية جمعاء؛ موروث يتمّ اللجوء إليه عادة، عند الإحساس بالخطر الذي يهدّد الوجدان بعد أن دمّر الكيان. وفيما يلي جدول توضيحي لأطراف الصراع وأسبابه ونتائجه:

المستعمر الغاصب + أتباعه من الجزائريين.
الشاعر+ الشهيد+ الشعب الجزائري الثائر.
أطراف الصراع الظاهر:
الصليب الحاقد/ المسيحية المحرّفة
الهلال/ الإسلام
  أطراف الصراع الخافي:
اغتصاب الحقوق+ التبعية للظالم طمعا فيه وخوفا منه.
استرداد الحقوق المغصوبة.
أسباب الصراع الظاهر:
 الاستلاب الصليبي/ الكفر
الحق/ الإيمان
أسباب الصراع الخافي:
الاندحار/ الطرد
الاستقلال
نتائج الصراع الظاهر:
تراجع الحملة الصليبية الحاقدة
إعلاء كلمة الإسلام.
نتائج الصراع الخافي:

وأخلص في خاتمة هذا العنصر إلى القول، بأن الشاعر لم يكتف في بناء صوره الشعرية بالمعطيات التي أفرزها الواقع الذي أراد تمثيله، وإنّما لجأ إلى عناصر "ميتاواقعية" استمدّها من لا شعوره الجمعي، لتشكّل خلفية قويّة في تشييد الرسالة التي رام توصيلها إلى المتلقّي (الشعب الجزائري)، اعتقادا منه أن حضور تلك العناصر في خطابه، من شأنها أن تُلبّي حاجاته (المتلقّي) النفسيّة وتُرتّب نوازعه المشتّتة وتُذكّره بدوره الحضاري المعطّل.
2- الآليات النفسية للصراع في النص :
يشكّل الاستعمار كفعل وسلوك، صعوبة نفسيّة واجتماعية لدى الشعوب التي اكتوت بناره ردحا من الزمن. وتشكّل حادثة "ذبح" "أحمد زبانا"، صعوبة نفسيّة واجتماعية لدى الشاعر حسبما يبدو في النصّ؛  فهي فعل دمويّ عنيف و نهاية مأسوية لحياة شخص مهمّ في حياته وفي مساره الفكري و النضالي، مختزلا العديد من الأفكار والمبادئ والآمال والطموحات والرؤى والمشاريع التي يطمح الشاعر ألاّ تنتهي وأن يكتب لها الحياة في ظلّ الحريّة. إلاّ أن حادثة "الذبح" شكّلت لديه صدمة عنيفة وضغطا إضافيا شديد القوّة هدّد نفسيته وذهنيته ووجدانه وموهبته الشعرية.
غير أنّ "مفدي" برع في تصوير تلك الحادثة البشعة على امتداد (واحد وعشرين) بيتا، بيد أنّه اعتبرها اختبارا حقيقيا لقدراته النفسيّة وحدود موهبته الشعرية وكفاءته الاجتماعية وقدرته على التصدّي للمشكلات وحلّها. فغدا حادث "الذبح" من زاوية نظره، "اختبار للقدرة العقلية والكفاءة الذاتية والقيمة بالنسبة للأشخاص الآخرين".([26]) مبطلا بذلك مفعول الرسالة التي رام المستعمر إيصالها له ولجميع الجزائريين: وهي أنّ "الذبح" مآل كلّ شخص يثور ضدّ تواجده بالجزائر وبالتالي ما على الجميع  إلّا الخوف والرهبة وقتل روح الصراع  والمواجهة لديه.فكيف قرأ الشاعر تلك الرسالة /الحادثة وكيف ردّ عليها؟
لقد وجد الشاعر في هذه الحادثة الضاغطة وهذا السلوك الترهيبي، فرصة لإظهار فاعلية الذات وقدرتها على اتخاذ المبادرة والمثابرة في مواجهة المحنة/ الصدمة؛ فرافق الشهيدَ شعريا بعزم وثبات منذ لحظة اقتياده إلى المقصلة إلى غاية لحظة تعريج روحه إلى السماوات العلا، واصفا تفاصيل تلك الرحلة وصفا، يمتزج فيه الواقعي الشعوري بالميتاواقعي اللاشعوري ويلتحم فيها الفنّي المعقّد، بالنفسي البسيط والتاريخي الحاضر بالمتخيّل الذي يصارع من أجل الحضور. والمؤكد أن تنفيذ حكم الإعدام في حقّ رفيقه، خلق لديه حالة متقدّمة من "القلق" و"التوتّر"، ستؤثر حتما على اتّزان نفسيته وهدوء ذهنيته وثبات المبادئ التي لطالما آمن بها. فما هي الآليات النفسية التي لجأ إليها الشاعر، لتجاوز تلك الحالة التي لا يرغب في أن يرى نفسه عليها، ليتمكّن من التصدّي للدور الاجتماعي الذي رأى أنه لازما له؟
يطلق علم النفس على "الآليات النفسية للصراع"، مصطلح "الميكنزمات الدفاعية" تارة   و"الحيل الدفاعية" تارة أخرى. ويعرفها "حكمت درو الحلو" و"زريمق خليفة العكروتي" في مؤلفهما "مدخل إلى علم النفس"، "بأنّها تنمو مع الشخص منذ الطفولة ويلجأ إليها لحلّ أزماته ولو وقتيا".([27]) وقد كشف علم النفس أزيد من خمسين آلية أوميكانيزم أوحيلة من آليات الصراع لحلّ الأزمات والصراعات النفسية منها: الإسقاط، الكبت، التقمص، التكوين العكسي، النكوص، السلوك العدواني، أحلام اليقظة، طلب الإسناد الانفعالي ... وغيرها. ومن بين الآليات النفسية الحاضرة في نصّ "الذبيح" ما يلي:
أ- التسامي:
يُمكن القول، إنّه بالإضافة إلى العامل الأسري المتشبّع بالقيم الدينية والوازع الجهادي الذي فُطر عليه "مفدي"، فإنّ الأزمة الخانقة التي مرّ بها المجتمع الجزائري خلال الحقبة الاستعمارية الفرنسية، كانت كلّها أسباب في توجّه تجربته الشعرية وجهة "صراعية" ثائرة. فقد أنتجت (الأزمة) مجموعة من العوامل، نحت بها ذلك المنحى فقد نشأ في كنف العديد من الجمعيات والنوادي الثقافية والحركات والأحزاب السياسية والأفكار والبرامج التي كان لها الأثر الكبير في تكوين وعيه وإحساسه بأنّ تلك الأزمة، يمكن التصدّي لها وحلّها عن طريق المغالبة والصراع.
وقد كانت منعكسات تلك التنشئة بادية في المُحصّلة السلوكية للشاعر. ولو أردنا أن نتحقّق من ذلك، فلن نجد خيرا من وصف "أحمد توفيق المدني" له؛ إذ يقول: "كان ملكا في صورة إنسان وما عرفت في حياتي رجلا مؤمنا كإيمانه، فاضلا كفضله، متواضعا كتواضعه مجاهدا كجهاده (...) كان كلامه حكمة وكان عمله جهادا وكان مسعاه نفعا لأمة الإسلام".([28]) وبالعودة إلى منشأ النصّ، نجد أنه ابن شرعي لحدث بعينه، جرت تفاصيله في سجن "بربروس". نظمه الشاعر وهو يودّع أول شهيد على مقصلة السجن نفسه؛ أي أن لحظة ذبح الشهيد، كانت ذاتها لحظة ميلاد القصيدة. وذبحُ الشهيد يؤدي لا محالة إلى إحساس الشاعر بالإحباط، خاصّة إذا كان ينتظر هو أيضا المصير نفسه. والإحباط حالة يشعر بها الفرد عندما يصطدم مع شيء ما أو عندما يحول أمر أو آخر بينه و بين ما يريد. إلاّ أنّنا لم نجد كلّ ذلك في النصّ. فلماذا يا ترى؟
لم يحدث ذلك – في اعتقادي- لأنّ "مفدي" استعمل آلية "التسامي"، التي يرى "فرويد" إنها "تؤدي إلى إظهار عبقرية وامتياز في الفنّ والعلم". وذلك حين سلك بطريقة لاشعورية مسلكا ثقافيا وحضاريا وفنيّا بالتزامن مع الحدث العُنفي والدموي والعدواني الذي مورس على نفسيته. وذلك حتى لا تتراكم الأحداث وتتضاعف ضغوطها عليه ممّا يعرقل الدور الاجتماعي الذي ينتظره. وقد مكنه استعمال هذه الآلية، من التعالي بطاقته الداخلية عن السلوك العدواني المباشر (الهيستيريا) وتحويلها إلى سلوك فنّي وحضاري مقبولا ذاتيا واجتماعيا؛ فعلى المستوى الذاتي: شبّع من خلال ذلك السلوك رغبته في مطارحة المستعمر والنيل منه. وعلى المستوى الاجتماعي: لم يخيب رأي مجتمعه فيه وقدّم له عملا، رأى أنه يمكن أن يلبّي حاجاته النفسية والذهنية في تلك المرحلة الحسّاسة من مراحل تاريخه.
والحديث عن آلية "التسامي" عند "مفدي"، يقود للحديث عن الوظيفة التطهيرية للفنّ عموما والشعر بشكل خاصّ؛ فهو ينطوي على عامل تطهير النفس من أدرانها لما يحمله من مفاهيم أخلاقية، لأنه "خليق بأن يتسامى بأرواحنا ويساعدنا على كبح جماح أهوائنا (...) وقد صنعت الفنون من أجل تنظيم حياة الإنسان الداخلية وتهذيب مشاعره، فهي تسمو بروحه وتبلغ بها قيم الحق والخير".([29])
ب- القلب:
عدّ "فرويد" "القلب" آلية نفسية لاشعورية يلجأ إليها الشخص أثناء الصراع، بها "ينحلّ الصراع إلى صورة مقبولة شخصيا، فتفيد كمنفذ للطاقة المحتبسة".([30]) وتقوم هذه الآلية عنده، على قلب نمط من السلوك من صورة إلى صورة أخرى مقبولة شخصيا، وذلك لبشاعة الصورة الأولى وقسوتها على الجانب النفسي. وبالرجوع إلى النصّ، أجد أن أوّل ما يوحي به عنوانه، هو أن "البطل" سيُذبح أو يكون قد ذبح. وأن الشاعر سيقوم بنقل التفاصيل الدموية لتلك "المذبحة" من قريب أو بعيد ووصف فضاءاتها المأسوية. هذا هو الإيحاء الأوّلي الذي يطرحه العنوان بالنسبة للإنسان العادي. إيحاءات لن تخرج عن إطار "الكتابة المشهدية"؛ التي سترصد عيون السجناء تطلّ من فجوات أبواب الزنزانات، تراقب مرور السجين مقتادا إلى المقصلة؛ مشهد "تتوقف فيه حركة التنفّس في الصدور، حركة الزمن بين الجدران؛ لأن النهاية الدنيوية قد أزفت".([31])
ولكن الولوج الهادف إلى عوالم القصيدة عبر أبياتها الواحدة والعشرين الأولى، يبدّد هذا التصوّر ويطرح تصويرا فنّيا معاكسا له تماما. فمن خلال عملية "القلب" التي قام بها الشاعر: قلب "المذبحة" إلى "عرس" و"الموت" الأكيد إلى "خلاص" و "فوز" و "لقاء الذبّاح" إلى "لقاء مع الله"     –عز وجل- ؛ هكذا تصبح المذبحة (المقصلة) والموت والذبّاح، أمور مقبولة على المستوى النفسي والاجتماعي كذلك، ولا تشكّل تهديدا عليهما.
وقد تضافرت عدة ألفاظ لإشاعة هذا الجوّ المقبول والإيجابي والمشرق، بدءا من الفعل "قام" الذي يدلّ على الحركة الذاتية والإرادية للشخص عكس الاقتياد أو الأخذ أو الجرّ. وتأتي بعده أفعال وأوصاف ترسم لنا أجواء الفرح وفضاءات المسرّة، لينقلب المأتم إلى عرس بهيج؛ فالشهيد قام يختال، يتهادى، نشوان، باسم الثغر، يستقبل الصباح الجديد  شامخا أنفه، رافعا رأسه، رافلا في خلاخل مزغردة...عبر سلسلة طويلة من الانزياحات، التي منشؤها النفس الرافضة للموقف الذي وٌجدت فيه، فقادتها "عبقريتها الشعرية" و"حدسها الخلاّق" إلى إيجاد "معادل موضوعي"، تطمأن له ويلقى لدى المتلقي الاطمئنان أيضا؛ ذلك من خلال الاتّكاء على مكنون وجدانها ومخزون ضميرها الجمعي؛ الذي ينصّ على أن الشهداء لا يموتون بل يظلّون أحياء عند ربهم يرزقون.
ج- الإسقاط:
يُرْجِع " ك. يونج" علّة الإبداع الفني، إلى "تقلقل" اللاشعور الجمعي في فترات الأزمات الاجتماعية"،([32]) ممّا يؤدي إلى تشتّت اتزان الحياة النفسيّة لدى الفنان، فيندفع محاولا الوصول إلى اتّزان جديد. ويستعمل لبلوغ ذلك، آلية "الإسقاط" التي هي "عملية سيكولوجية يُنْسبُ الفرد عن طريقها أفكاره ومخاوفه ورغباته وخصائصه غير المرغوب فيها إلى أشخاص آخرين أو أشياء بطريقة لاشعورية كوسيلة لحماية ذاته".([33]) ممّا يتيح له تجنّب السقوط أمام دوافعه العدوانية والتأكيد على أنّ الآخرين هم الذين يمتلكون مثل هذه الدوافع.
وقد عاش المجتمع الجزائري تقلقلا شديد الأثر بفعل الاستعمار الفرنسي؛ الذي عمل على طمس لاشعوره الجمعي وهدم رموزه المقدسة. وقد أدرك الشاعر ذلك مبكرا، فاندفع محاولا الوصول إلى توازن جديد يعيد للمجتمع دوره الحضاري المعطّل وحقوقه الشرعية المستلبة. وسجّل ذلك على امتداد مشواره النضالي عموما والأدبي بشكل خاص، حتّى لُقِّبَ بـ "شاعر الثورة الجزائرية".
وبالعودة إلى النصّ، أجد أن الشاعر قد تكيّف مع الحادث الدموي الذي وجد نفسه في صميمه؛ وذلك عن طريق آلية "الإسقاط"؛ حين شبّه "بطل" قصيدته "أحمد زبانا" (الإنسان العادي) بالمسيح (النبي، الرسول)؛ فهو (كالكليم) و(قد زعموا قتله) و(ما صلبوه)... والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل أراد الشاعر أن يساوي بين شخص "أحمد زبانا" وشخص "المسيح" وأن يضع الإنسان العادي موضع الأنبياء والرسل؟
والحقيقة أن "مفدي" يدرك مدى الاختلاف الموجود بين البشر العاديين والأنبياء والرسل كما يدرك التنافر الكلّي بين المشبّه والمشبّه به من الناحية ذاتها. ويمكن فهم ما فعله كونه "أسقط" حادثة تاريخية مجتزأة من واقع معيش على حادثة مجتزأة من واقع مختزن في ضميره الجمعي. وذلك نظرا لتساوي الحادثتين في الفعل واختلافهما في الشدّة: (زبانا ذُبِحَ/ المسيح ذُبِحَ)، (ذَبْح زبانا = ذَبْح المسيح). إن هذا التساوي في الفعل والاختلاف في شدّته هو ما قصد إليه الشاعر. لقد قصد تعويم الحاضر المؤلم في أحداث الماضي الأكثر إيلام. وبالتالي يهون الحدث المؤلم الصغير (ذبح زبانا) أمام فداحة الجرم الأكبر (قتل الأنبياء). ويكون بهذا "الإسقاط" قد كشف عن المرتكز النفسي والذهني للمستعمر؛ مرتكز يقوم على العدوان وسفك دماء المصلحين والثائرين. وقد أراد من وراء ذلك في اعتقادي، تخفيف ثقل الفاجعة على متلقّي خبر الذبح؛ من باب "إن المصيبة إذا عمّتْ خفّتْ. أو كما يقول المثل الشعبي: "صَنْعَةْ بوهْ ما تْعايروهْ".  
د- طلب الإسناد الانفعالي:
تشير نتائج الدراسات العلمية، إلى أن"الإسناد الانفعالي مخفّف للضغط ويقلّل من تأثيره السلبي على الجانب النفسي والجسمي".([34]) وطلب الإسناد الانفعالي أو الاجتماعي "هو محاولة البعض الحصول على مساعدة الآخرين اجتماعيا أو نفسيا تبعا لتقدير المعنيين أنفسهم"؛([35]) فقد يلجأ البعض إلى الأهل أو الأقارب بحثا عن الدعم الأمني عند الشعور بالتهديد، وقد يتّجه البعض إلى الأصدقاء أو الأطباء النفسيين ويتّجه البعض الآخر إلى الدين لما يلقون فيه من أمان وسكينة وطمأنينة ولما تُضْفيه الصلوات وقراءة الأدعية من راحة نفسية تقوّي العزيمة والإرادة.
وتشير"خالدة سعيد" "إلى أنّ أيّ شخصية ثقافية تواجه تحدّيات مصيرية تردّ على التحدّي عن طريق الإلحاح على مكوّناتها الأساسية".([36]) جاءت إشارتها هذه في معرض حديثها عن المكوّنات الأساسّية التي ساعدت المشارقة والمغاربة العرب، على مواجهة الهجمة العنصرية التركية والتحدّي الحضاري الغربي في العصر الحديث ولخصتها (المكوّنات) في عنصري"الدين" و"اللغة". وقالت إن الإلحاح على عنصر "الدين" مكّن "المغاربة" من مواجهة التحدّي الحضاري الغربي. وهي محقّة في ذلك لما مثّله "الدين الإسلامي" من قوّة إسناد فعّالة في تلك المواجهة.
ولا يصعب على قارئ قصيدة "الذبيح" أو الديوان بأكمله أو شعر "مفدي" عموما، ملاحظة ذلك الحضور الكثيف لطلب الإسناد الانفعالي من الدين الإسلامي؛ إذ لم يترك الشاعر منهلا من مناهل ذلك الموروث، إلاّ واغترف منه واحتمى به، طلبا للعون والتأييد والمباركة والقوّة والتمكين لمواجهة الوضع المأساوي الذي وجد نفسه وشعبه فيه. وقد تنوعت الينابيع الدينية التي قصدها الشاعر طلبا للإسناد الانفعالي؛ بين القرآن الكريم (اقتباسا وتضمينا) والحديث النبوي الشريف والتاريخ الإسلامي والسيرة النبوية. ولأن المجال يضيق لعرض كل تلك الجهات فإنّني سأقتصر على عرض جهة واحدة وأعضدها بالتحليل المناسب لتوجّه الدراسة النقد نفسي.
يقول الشاعر واصفا "بطل" قصيدته:
                 وتسامى كالروح في ليلة القد    *     ر، سلاما يشعّ في الكون عيدا([37])
وهو قول يتقاطع مع قوله تعالى: "إنا أنزلناه في ليلة القدر، وما أدراك ما ليلة القدر".([38]) وفي البيت تشبيه؛ حيث شبّه الشهيد "زبانا" بجبريل- عليه السلام- وهو تشبيه قصد من ورائه طلب الإسناد العاطفي؛ فحضور "جبريل الأمين" وما يمثّله من طهارة وبشرى ونقاء، أضفى على المشهد العنفي والدموي المؤلم الماثل أمام الشاعر، أجواء نورانية ربّانية ملائكيّة تَسْعَدُ النفسُ بالنظر إليها والبقاء عندها، حيث يغدو الذبح سموّا والموت حياة والمذبوح ملاكا طاهرا لا تطاله أيدي البشر وليلة ذبحه ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر..
أمّا قوله:        زعموا قتله وما صلبوه      *    ليس في الخالدين عيسى الوحيدا
                لفّه جبريل تحت جناحيه      *    إلى المنتهى رضيا شهيـــدا([39])
ففيه "تضمين" لقوله تعالى في سورة "النساء": "وقولهم إن قتلنا المسيح عيسى بن مريم رسول الله، وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبّه لهم، وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه، ما لهم به من علم إلا إتّباع الظن، وما قتلوه يقينا، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزا حكيما". وهو "تضمين" عالي الجودة سعى من خلاله الشاعر إلى "تتفيه" الفعل الاستعماري وتسفيه قدْرات مرتكبيه العقلية. فزعمهم" قتل زبانا" زعم كاذب يُشبه زعمهم قتل "المسيح".  وما قتلوا الاثنين ولكن شُبّه لهم لقصور مداركهم العقلية. لأنّ القادر على الصعود بـ"عيسى"-عليه السلام- قادر على الصعود بـ "زبانا" أيضا، لأنه على كل شيء قدير. وبهذه الكيفية يكون الشاعر قد لاءم بين دوره الاجتماعي والوضعية النفسية التي وجد نفسه فيها وذلك من خلال طلب الإسناد الانفعالي من القول القرآني المعجز.
كما نلمس الطلب نفسه في قوله: 
         اقض يا موت فيما أنت قاض      *      أنا راض إن عاش شعبي سعيدا([40])
وفيه "اقتباس" لطيف من قوله تعالى في سورة "طه": "فأقضي ما أنت قاض"([41]) والغاية الانفعالية منه طلب الجرأة وروح الاستبسال والثبات على الموقف في شموخ وعزّة وإباء أثناء مقارعة الفعل الاستعماري الهمجي.
والطلب الانفعالي نفسه نجده في قوله:
          نحن ثرنا فلات حين رجوع      *        أو ننال استقلالنا المنشودا([42])
والغاية النفسيّة منه، هي الاستعانة بالقدرة الإلهية التي أهلكت القرى الظالمة من قبل؛ نجد ذلك في قوله تعالى في سورة "ص": "كم أهلكنا من قبلكم من القرى فنادوا ولات حين مناص".([43]) قدرة قادرة على إهلاك المستعمر وجعل مصيره كمصير الأقوام الكافرة الماضية، التي لم تصغ لحكمة الله وسنن كونه. وبذلك تهدأ نفسيّة الشاعر والمتلقي، فيتمكّن الجميع من استجماع قواه مجدّدا لمطارحة المستعمر في الجولات المقبلة الحاسمة. والحديث عن آلية "طلب الإسناد الانفعالي" وغيرها في النص يطول ولا يتّسع له صدر هذا المقال وأفضّل ترك المجال مفتوحا للبحث والتقصّي عنها؛ خاصة إذا علمنا أنّ دراسة شعر "مفدي زكرياء" دراسة نقد نفسية منحى بحثي مازال لم يعط العناية اللائقة به.
 3- خاتمة:                     
بعد هذه الرحلة النقدية في نفسية نصّ "الذبيح الصاعد"، بحثا عن الآليات النفسية للصراع يمكن تسجيل النتائج التالية:
1- إن" مفدي " شاعر مقاتل، مثّل الجزائري والعربي والمسلم، بكلّ القيم التي تحملها العروبة والإسلام عبر الأزمان. وقد ساعدته خواصه الذاتيّة الفريدة كالحدس والذكاء الخارق والنفس الطويل والقدرة على الإبانة وفهم الواقع، على تطوير آلته الاستقبالية وترجمة مطالب شعبه وحاجاتهم النفسية والاجتماعية شعرا.
2- كانت الأزمات والمحن التي مرّ بها الشعب الجزائري، اختبارات حقيقية شحذت همّته وضبطت نفسيته وحدّدت مساراتها النضالية والإبداعية أيضا.
3- لدى" مفدي" قدرة خارقة على التكثيف ثمّ القيام بعملية تفاعلية بين الكمّ الهائل الذي ضغطه وركّزه، بحيث يستطيع نقله إلى "كيْفٍ" جديد ونافع، مرتقيا بذلك بانفعاله الأوّلي البسيط إلى انفعال فنّي خلاّق.
4- إن العملية الإبداعية لا تتمّ في الواقع الموضوعي، بل تتمّ في دخيلة المبدع أي في نفسيته وعقله ثم تجد لها ترجمة في الواقع الموضوعي.
5- اتّسمتْ شخصية الشاعر بمجموعة من السمات منها: رباطة الجأش، الثقة بالنفس، التحدّي حبّ المغامرة وضوح الرؤية، قوّة الإرادة، إرادة القوّة، إرادة الإبداع والابتكار، نقد الآخرين واكتشاف العلاقات الدقيقة.
6- يتموضع الشاعر- في ضوء حالته المزاجية التي بدتْ في النصّ- في فئة "اللاشعوريين"؛ فهو ينبعث في إدراكه وخلقه للعلاقات الدقيقة، من مقومات لاشعورية ووجدانية وعقلية، أعني من مركّب عقلي وجداني مكبوت في داخله ويحرّك ذهنه ويحمله على الوقوف على العلاقات الدقيقة للموقف الذي يجد نفسه فيه والقيام بعلاقات جديدة مبتكرة وغير مسبوقة. 


الهوامش:
[1]- أصل هذا المقال، مداخلة ألقيتها في الملتقى الدولي الثالث (الخطاب النقدي المعاصر"النقد النفسي"PSYCHOCRITIQUE ")، يومي 4- 5 ماي، 2008، بقسم اللغة العربية وآدابها بالمركز الجامعي بخنشلة. وهي تحمل العنوان ذاته.
[2]- رينيه ويليك- أوستن وارين، نظرية الأدب، ترجمة، محيي الدين صبحي، مراجعة حسام الخطيب، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، 1981، ص46.
[3]- نبيل راغب، موسوعة النظريات الأدبية، الشركة المصرية العالمية للنشر، لونجمان، الطبعة الأولى 2003. ص355.
[4] - عماد حاتم، النقد الأدبي  قضاياه واتجاهاته الحديثة، دار الشروق العربي لبنان د/ ط د/ تا ص179.
[5] - مصطفى ناصف، دار الأدب العربي، دار الأندلس، لبنان، ط3، 1983 ص131.
[6] - حبيب مونسي، فلسفة القراءة وإشكالية المعنى، دار الغرب وهران الجزائر، د/ط، د/تا  ص158.
[7] - مصطفى ناصف، دراسة الأدب العربي، ص131.
[8] - محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، نهضة مصر، القاهرة، د/ ط، د/ تا ص351.
  [9]- مصطفى سويف، الأسس النفسية للإبداع الفني وتذوق الفنون الجميلة، دار المعارف. مصر. ط3 1970. ص195.  
  [10]- المرجع السابق، الصفحة نفسها.
 [11]محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، ص352.
 [12]- علي عبد المعطي محمد، الإبداع الفني وتذوق الفنون الجميلة، دار المعرفة الجامعية مصر. 1993. ص159.
 [13]- عماد حاتم، النقد الأدبي  قضاياه واتجاهاته الحديثة، دار الشروق العربي لبنان د/ط د/تا ص179.
       [14]- أُطلقت هذه التسمية من قبل "روجي فيول" (Rouger.Fayolle)، لأنه يرى أن "باشلار"، لم يدّع في نقده أنه يقوم  بتحليل نفسي علمي دقيق، وإنما يعتمد على قراءة الأشخاص من خلال ما  يكتبونه وذلك بردّ الصورة الفنية الشعرية إلى أصولها العميقة   (الماء النار، الهواء والتراب)، بهدف تقديم دراسة عن الخيال الثقافي. محمد أديوان النص والمنهج، دار الأمان الرباط ط1، 2006، ص80.
[15]- المرجع السابق نفسه، ص82.
[16]- زين الدين المختاري، المدخل إلى نظرية النقد النفسي، منشورات إتحاد الكتاب العرب 1998، ص17.
[17]-  المرجع نفسه، ص ن.
[18]-  مفدي زكريا، اللهب المقدّس، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الجزائر1983، ص9.
[19]_ تتردّد هذه العبارة في الأدبيات التي تناولت أدب"مفدي زكريا" بالدراسة والتحليل.
[20]- م س، ص9.
[21]- م س، ص17.
[22]- م س، ص16.
[23]- م س ن، ص18.
[24]- صالح خرفي، المدخل إلى الأدب الجزائري. مجلة الثقافة، عدد 21، ص 21.
[25]- اللهب المقدس، ص16.
[26]- حسين فايد، علم النفس الإكلينيكي. مؤسسة حورس الدولية للنشر والتوزيع  الإسكندرية الطبعة1، 2005، ص347.
[27]- حكمت درو الحلو، زريمق خليفة العكروتي، مدخل إلى علم النفس، المكتب المصري 2004، ص185.
[28]- العربي زبيري، المثقفون الجزائريون والثورة، منشورات المتحف الوطني للمجاهد المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر والإشهار، وحدة الطباعة بالروبية الجزائر 1995  الهامش، ص33.
[29]- علي عبد المعطي محمد، راوية عبد المعطي عباس، الحسّ الجمالي وتاريخ التذوّق الفنّي عبر العصور  دار المعرفة الجامعية 2005، ص182.
[30]- مصطفى سويف، الأسس النفسية للإبداع، ص195.
[31]- حبيب مونسي، فلسفة المكان في الشعر العربي، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، 2001 ص98.
[32]- محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، ص352.
[33]- محمد عاطف غيث،  قاموس علم الاجتماع، دار المعرفة الجامعية مصر، ص353.
[34]- حسين محي الدين، التنشئة الاجتماعية والأطفال الصغار، الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة 1983 ص176.
[35]- ميشيل إرجايل، علم النفس ومشكلات الحياة الاجتماعية، ترجمة عبد الستار إبراهيم، مكتبة مدبولي ، القاهرة 1982، ص81.
[36]- خالدة سعيد، حركية الإبداع، باب العودة، بيروت، الطبعة الثانية 1982، ص19.
[37]- اللهب المقدس، ص10.
[38]- قرآن كريم، سورة القدر.
[39]- اللهب المقدّس، ص11.
[40]- اللهب المقدس، ص10.
[41] - قرآن كريم، سورة طه، الآية (72) وما بعدها.
[42]- اللهب المقدس، ص17.
[43]- القرآن الكريم، سورة (ص)، الآية (03) وما بعدها.

1 commentaire:

  1. Borgata Hotel Casino & Spa - JTR Hub
    Located in Atlantic City, ventureberg.com/ Borgata Hotel Casino & Spa offers the 토토 finest 바카라 사이트 in goyangfc amenities and entertainment. It also www.jtmhub.com provides a seasonal outdoor swimming

    RépondreSupprimer